play البث الحي play البث الحي

حفظ

في الصين أي محاولة للاختراق تعني اختراق أجهزة صينية، عبر شبكات صينية، مدارة من شركات حكومية، خاضعة لقوانين أمن سيبراني صينية (شترستوك)محمد يوسفPublished On 6/6/20266/6/2026

في 2 مارس/آذار الماضي، نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تحقيقا مفصلا، بعنوان "داخل خطة قتل علي خامنئي"، بنته على شهادات عدد من مسؤولي الاستخبارات الإسرائيليين الحاليين والسابقين، وأشخاص آخرين مطلعين على العملية. وتصف الرواية التي رسمتها الصحيفة عملية اختراق استخباري شاملة استمرت على مدار سنوات، وبلغت ذروتها باغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير/شباط.

وفقا لهذه الرواية، كانت كاميرات المرور في طهران، جميعها تقريبا، مخترقة لسنوات، وصورها تشفر وترسل إلى خوادم في تل أبيب وجنوب إسرائيل. وتقول الصحيفة إن واحدة من تلك الكاميرات كانت بزاوية مثالية، تكشف المكان الذي اعتاد حراس خامنئي الشخصيون ركن سياراتهم فيه قرب مجمعه في شارع باستور. من تلك الزاوية، بنت الاستخبارات الإسرائيلية ملفات تفصيلية تضمنت عناوين سكن الحراس، وساعات مناوباتهم، ومساراتهم اليومية، والأهم أي مسؤول كبير يحمون.

"جميع كاميرات المرور في طهران كانت مخترقة لسنوات، وصورها تشفر وترسل إلى خوادم في تل أبيب"

لم تكن الكاميرات، بحسب التحقيق، سوى طبقة واحدة من مئات مصادر المعلومات الاستخبارية، حيث تصف الصحيفة كيف عطلت إسرائيل مكونات نحو 10 أبراج اتصالات قرب شارع باستور، فجعلت هواتف فريق الحماية تبدو مشغولة حين يُتصل بها، مما منع وصول أي تحذير. وتشير إلى أن خوارزميات تحليل الشبكات الاجتماعية مشطت مليارات نقطة بيانات لرسم خرائط مراكز صنع القرار وتحديد أهداف جديدة.

وقد صبت معلومات الوحدة "8200" الإسرائيلية للاستخبارات الإلكترونية، مع عملاء الموساد البشريين، بجانب جبال البيانات التي هضمتها الاستخبارات العسكرية، في خط إنتاج واحد بمنتج واحد: الأهداف. وكما أوضح إيتاي شابيرا -عميد احتياط في الجيش الإسرائيلي وخبير استخبارات لأكثر من 25 عاما- للصحيفة البريطانية: "في ثقافة الاستخبارات الإسرائيلية، تعد استخبارات الاستهداف القضية التكتيكية الأهم. إذا قرر صانع القرار أن شخصا ما يجب اغتياله، فالثقافة في إسرائيل هي: سنوفر استخبارات الاستهداف".

ثم كانت الطبقة الأخيرة والحاسمة التي ذكرتها الصحيفة، وهي إن الأمريكيين امتلكوا مصدرا بشريا أكد أن خامنئي سيعقد اجتماعا صباح ذلك السبت في مكتبه. ومن ثم أطلقت مقاتلات إسرائيلية، كانت تحلق منذ ساعات، ما يصل إلى 30 وحدة ذخيرة دقيقة التوجيه إلى المجمع. وقتل علي خامنئي مع ابنته وصهره وحفيده وعدد من كبار المسؤولين في الحال.

هذه هي الرواية الغربية، التي صاغتها الصحف بالاستعانة بمصادر إسرائيلية. وهي رواية تحمل كل سمات السردية الاستخبارية المنتصرة: تفاصيل تقنية مبهرة، ونسبة التفوق إلى البراعة لا إلى التفاوت الهائل في القوة والتقنية. لاحظ هنا أن أيا من هذه التفاصيل لم يصدر عن مصدر إيراني أو مستقل، وأن إسرائيل لها مصلحة واضحة في رسم صورة الاختراق الشامل.

لكن، حتى لو أخذنا الرواية بالتحفظ الذي تستحقه، فإن ما حدث لإيران لم يحدث لأن إسرائيل بارعة بالقدر الذي تود أن تبدو عليه، بل ربما حدث لأن إيران كانت تعاني من مشكلة بنيوية تمثلت في أن كاميرات المراقبة أجنبية الصنع وبثغرات معروفة، مع شبكات اتصالات مركزية غير معزولة، وبيئة رقمية مفتوحة، ومنظومة أمنية صممت بالكامل دون أن تحصن ضد من ينظر إليها من الخارج.

ببساطة، ما فعلته إسرائيل والولايات المتحدة هو استغلال ثغرات بنيوية كانت موجودة قبل أي عملية استخبارية. التفوق التقني حقيقي وواضح، لكنه ليس العامل الحاسم الوحيد هنا، بل قد يكون العامل الحاسم هو أن البنية التحتية التقنية الإيرانية كانت مفتوحة أمام خصومها من الأساس. والدليل على أن هذه مشكلة بنيوية، وليست قدرا محتوما أمام قوة التكنولوجيا الغربية، هو أن دولة واحدة على الأقل أغلقت كل باب من تلك الأبواب فعلا وهي الصين.

"العامل الحاسم هو أن البنية التحتية التقنية الإيرانية كانت مفتوحة أمام خصومها من الأساس"

على مدار العقدين الماضيين، ابتكرت بكين بنية تقنية مضادة بمنهجية محكمة، إذ استبدلت البنية التحتية للمراقبة بمنظومة محلية بالكامل، وشيدت منظومة اتصالات لا تعتمد على مورد أجنبي واحد، وأقامت جدارا رقميا يجعل الحصاد الاستخباري الأجنبي للبيانات أصعب بمراحل. لكن النموذج الصيني ليس وصفة قابلة للتطبيق في أي مكان.

فما بنته بكين تطلب عقودا من الاستثمار في صناعة تقنية محلية، وقاعدة صناعية قادرة على إنتاج كل شيء من الكاميرات إلى الرقاقات، ومنظومة حوكمة تتيح للدولة السيطرة الكاملة على البنية التحتية الرقمية. وهذه شروط لا تملكها معظم دول العالم، وهو ما يجعل القصة أكثر إلحاحا الآن ويطرح سؤالا مهما: إذا كان الحل الوحيد المثبت يتطلب أن تكون الصين، فماذا يعني ذلك لكل دولة أخرى ليست الصين؟

المفارقة التي تكشفها تفاصيل عملية اغتيال خامنئي، حتى في حدود الرواية الإسرائيلية، ليست أن إيران كانت ضعيفة تقنيا، بل على العكس. لقد أسست إيران واحدة من أكثر منظومات المراقبة الداخلية تطورا في المنطقة، ولديها شبكة كاميرات واسعة في طهران والمدن الكبرى، واستخدمتها بفاعلية لتتبع المتظاهرين واعتقالهم، بجانب امتلاكها قدرات متطورة في التعرف على الوجوه، وسيطرتها على شبكات الاتصالات. المشكلة أن كل هذه الأدوات بنيت لتوجه إلى الداخل، ولم يحصن أي منها ضد خصم من الخارج، كما ظهر جليا بعد أحداث حرب يونيو/حزيران العام الماضي.

خذ الكاميرات مثلا؛ كشف تحقيق حديث لمنظمة "فوربيدن ستوريز" أن السلطات الإيرانية اشترت سرا عام 2019 برنامج التعرف على الوجوه الروسي "فايند فيس" القادر على التعرف على وجه في حشد من قاعدة بيانات تضم 500 مليون وجه في أقل من الثانية. وفي 2021، وقعت الحكومة عقدا مع إحدى الشركات نص على توفير 200 كاميرا مراقبة تعمل بالتعرف الآني على الوجوه، مدعومة بقاعدة بيانات تضم "300 مليون حدث"، ومصطلح "حدث" هنا يشير إلى الخوارزمية التي تتعرف على الوجه. تلك المنظومة كانت فعالة للأغراض الداخلية، لكنها كانت مبنية على أجهزة مكشوفة للاختراق الخارجي.

"لم تعمل الكاميرات الصينية في طهران ضمن شبكة معزولة كما تعمل في بكين، بل ضمن بنية تحتية قابلة للاختراق"

وهنا تتكشف طبقة أخرى من المفارقة؛ بناء على تحليل معهد "لوي" للسياسات الدولية الصادر في يناير/كانون الثاني الماضي، فإن إيران بنت منظومتها الأمنية التقنية بالاعتماد على كاميرات صينية الصنع دخلت عبر وسطاء محليين وموزعين، وغذت أنظمة مراقبة على مستوى المدن. لكن ما يهم ليس استيراد الأجهزة فحسب، بل أن إيران لم تؤسس المنظومة المحلية القادرة على تأمين هذه البنية التحتية ضد الاختراق. فلم تعمل الكاميرات الصينية في طهران ضمن شبكة معزولة كما تعمل في بكين، بل ضمن بنية تحتية قابلة للاختراق.

ولا يقتصر الأمر على إسرائيل، إذ إن إيران نفسها تعرف أن تلك الكاميرات قابلة للاختراق، لأنها تفعل الشيء ذاته بكاميرات المراقبة في دول أخرى. وقد وثق تقرير لشركة "تشيك بوينت ريسرش" ، نشر في مارس/آذار، موجة مكثفة من محاولات الاختراق الإيرانية لكاميرات مراقبة من طراز هيكفيجن (Hikvision) وداهوا (Dahua) في إسرائيل وقبرص ودول أخرى في المنطقة، بدأت مع الساعات الأولى للحرب.

"تستخدم طهران الكاميرات المُخترقة لتقييم الأضرار بعد الضربات الصاروخية"

ربط التقرير هذا النشاط بطريقة إيرانية تستخدم الكاميرات المخترقة لتقييم الأضرار بعد الضربات الصاروخية. وفي حرب يونيو/حزيران العام الماضي، رصد الباحثون اختراقا إيرانيا لكاميرا شارع أمام معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل قبل أن يضربه صاروخ باليستي بوقت قصير. بمعنى آخر، كانت إيران تستخدم الثغرات ذاتها التي استخدمت ضدها، وكانت تعرف أن كاميرات المراقبة من هيكفيجن وداهوا بها نقاط ضعف معروفة، مثل تجاوز المصادقة، وتنفيذ أوامر عن بعد، وكلمات مرور افتراضية لا تغير. لكنها استثمرت في استغلال هذه الثغرات في أراضي الآخرين، دون أن تغلقها في أراضيها.

تكررت الصورة نفسها في طبقة الاتصالات؛ وفقا لمستندات داخلية لإحدى شركات الاتصالات الإيرانية، نشرها موقع "ذا إنترسبت" ، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وكشفت أن منظمي شبكات الهاتف المحمول في إيران يملكون وصولا مباشرا إلى أنظمة تتيح تتبع مواقع المستخدمين آنيا، ورصد البيانات الوصفية، والتدخل في الاتصالات انتقائيا. هذه المنظومة كانت فعالة في تتبع حركة الاحتجاجات التي بدأت في سبتمبر/أيلول 2022، لكنها في الوقت ذاته منظومة مركزية؛ أي اختراق لعقدة واحدة فيها يمنح المهاجم رؤية واسعة، وهو تحديدا ما تصفه رواية "فايننشال تايمز".

لذا، ما يمكن استنتاجه أنه حين وجه خصم بالقدرات التقنية لإسرائيل والولايات المتحدة عينيه إلى تلك المنظومة من الخارج، لم يحتج إلى جهد لاختراقها، لأنها كانت مفتوحة أمامه من الأساس. وهو ما يقودنا إلى السؤال التالي: ماذا لو أن دولة، مثل الصين، ابتكرت منظومة المراقبة ذاتها، لكنها صنعت الكاميرات بنفسها، وشغلتها على شبكتها الخاصة، ولم تستورد البرمجيات من أحد؟

في عام 2005، أطلقت الصين مشروعا باسم "سكاي نت" وكان الهدف المعلن بسيطا وهو تغطية المدن الكبرى بكاميرات مراقبة لمكافحة الجريمة. بحلول عام 2013، حين كشفت الحكومة عن وجود المشروع علنا، كانت الشبكة تضم أكثر من 20 مليون كاميرا. ثم في عام 2015، جاء مشروع "العيون الحادة" ليمد الشبكة إلى الأرياف والبلدات الصغيرة، إذ أوضحت هيئة التخطيط الوطنية الصينية الهدف منه بوصفه منظومة مراقبة بالفيديو "منتشرة في كل مكان، ومترابطة بالكامل، وتعمل دائما، وقابلة للسيطرة الكاملة، وتغطي 100 في المئة من الفضاءات العامة".

اليوم، تتحدث الأرقام عن واقع مختلف تماما عن أي دولة أخرى، فبعض التقديرات الحديثة تشير إلى أكثر من 600 مليون كاميرا تعمل في الصين. ولكن الفارق ليس في العدد فحسب، ففي الدول الغربية، معظم كاميرات المراقبة مملوكة للقطاع الخاص، بينما في الصين، يدار معظمها أو يراقب مباشرة من مكاتب الأمن العام. ويدمج مشروع "العيون الحادة" حتى الكاميرات الخاصة، تلك المثبتة خارج المحلات والمجمعات السكنية، في الشبكة الحكومية.

"هناك أكثر من 600 مليون كاميرا تعمل في الصين يُراقب معظمها من مكاتب الأمن العام"