play البث الحي play البث الحي

حفظ

لامين جمال نجم برشلونة ومنتخب إسبانيا (أسوشييتد برس)محمود علاقPublished On 6/6/20266/6/2026

سيخوض النجمان الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو في نسخة 2026 مشاركة سادسة قياسية في كأس العالم لكرة القدم، لكن التاريخ قد يتذكر هذه النسخة مستقبلاً لسبب مختلف تماماً.

فبينما يقترب اثنان من أعظم لاعبي اللعبة من إسدال الستار على رحلتهما المونديالية الطويلة، يستعد فتى إسباني لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره لكتابة أول فصول حكايته على المسرح ذاته.

من ساحة إسمنتية متواضعة في مدينة ماتارو الكاتالونية إلى ملاعب تستقطب أنظار مئات الملايين حول العالم، جاء صعود لامين جمال بسرعة بدت وكأنها تتحدى قوانين كرة القدم نفسها. ففي غضون سنوات قليلة فقط، انتقل من طفل يطارد الكرة في أحياء مهمشة إلى أحد أكثر اللاعبين إثارة للفضول والترقب قبل انطلاق كأس العالم 2026.

لكن قبل الأهداف والألقاب والنجومية العالمية، كانت هناك قصة أخرى تُروى في حي روكافوندا الشعبي على بعد 32 كيلومترا شمال برشلونة على الساحل الكاتالوني، حيث لم يكن اسم لامين جمال معروفاً خارج حدود الحي.

هناك، داخل مخبز صغير يديره عمه عبدول نصراوي، كانت تقبع نسخة مصغرة من كأس العالم فوق أحد الرفوف. لم تكن مجرد قطعة للزينة أو تذكار كروي عادي، بل كانت أشبه بوعد مؤجل. كان عبدول يخبر الزبائن باستمرار أن هذه الكأس تنتظر اليوم الذي يعود فيه ابن أخيه بالكأس الحقيقية.

امتلك عبدول الكأس حتى قبل أن يخوض جمال مباراته الأولى مع منتخب إسبانيا، لأنه كان يعلم أن شيئا مميزا مقبل. كثيرون في روكافوندا يقولون الشيء نفسه، لكن الأهم بالنسبة لبرشلونة أن جوردي رورا كان أول من اكتشفه.

لم يكن الطريق إلى أكاديمية برشلونة مفروشاً بالوعود أو التوقعات الكبرى، بل بدأ بمعلومة صغيرة نقلها أحد الكشافين عن طفل يلفت الانتباه في المباريات المدرسية. كانت مجرد إشارة إلى موهبة ناشئة في ضواحي برشلونة، لكنها كانت كافية لتحريك جوردي رورا، المسؤول السابق عن كرة القدم للفئات العمرية في النادي الكاتالوني، الذي قرر التحقق بنفسه مما يقال عن ذلك الصبي.

لم ينتظر رورا كثيراً. اصطحب معه زميله المقرّب أوريلي ألتيميرا وتوجها لمتابعة اللاعب على أرض الواقع. وكما يحدث في معظم مباريات الأطفال، لم يكن المشهد يوحي بأن أحداً سيكتشف نجماً عالمياً في ذلك اليوم. عشرات الصغار يركضون خلف الكرة بحماس، وصخب يملأ الملعب، وفوضى تبدو طبيعية في مباريات تلك الفئة العمرية. لكن وسط كل ذلك، كان هناك طفل واحد يتصرف بطريقة مختلفة.

وقال رورا لوكالة الأنباء الفرنسية: "كنا هناك مع أوريلي، وفي البداية رأيناه وكان يبدو غريبا قليلا، نحيلا نوعا ما، يتحرك بطريقة غير مألوفة، فقلنا: دعونا نرى".

لم يكن الانطباع الأول كافياً للحكم على موهبة استثنائية. فالجسد النحيل والحركة المختلفة لم يكونا بالضرورة مؤشرين على مستقبل كبير، لكن دقائق المباراة بدأت تكشف شيئاً آخر. شيئاً لا يظهر في اختبارات السرعة أو القوة البدنية، بل في الطريقة التي يفكر بها اللاعب داخل الملعب.

وأضاف رورا: "ثم عندما بدأت المباراة، بات الأمر صعبا… تخيل 20 طفلا في السابعة أو الثامنة يطاردون الكرة جميعهم. ومع ذلك، كان لامين أحيانا يفعل شيئا يجعلك تقول: " بدلا من مجرد الركض خلف الكرة، كان يجد المساحات، ينتظر، يبحث عن قدمه اليسرى، وينفذ بسرعة كبيرة".

في سن كان معظم الأطفال يتعاملون فيه مع الكرة بغريزة اللعب فقط، كان لامين يتصرف وكأنه يفهم اللعبة بصورة أعمق. لم يكن ينجرف وراء الفوضى الجماعية، بل كان يبحث عن المكان المناسب واللحظة المناسبة، ويبدو وكأنه يرى ما سيحدث قبل الآخرين بثوانٍ.

وتلك القدرة لم تولد داخل ملاعب برشلونة الحديثة، بل تشكلت في الساحة الإسمنتية بحي روكافوندا، حيث تعلم الطفل أن الاحتفاظ بالكرة يحتاج إلى سرعة في التفكير قبل القدمين. هناك، بين الجدران الصلبة والأرضية القاسية، كانت المراوغة وسيلة للبقاء في اللعبة. فخطأ واحد أو تأخر بسيط في الحركة قد ينتهي بسقوط مؤلم على الإسفلت.

ويشرح رورا: "المراوغة ربما هي أكثر المهارات التقنية فطرية، أليس كذلك؟ من الصعب تدريب لاعب مراوغ. كان يمتلك ذلك. كان يموّه ويفعل أشياء تجعلك تقول: واو".

وبالنسبة إلى مسؤولي برشلونة، لم تكن المسألة مرتبطة بعدد الأهداف أو التمريرات الحاسمة التي يصنعها طفل في هذا العمر، بل بامتلاكه شيئاً نادراً لا يمكن تعليمه بسهولة. فقد رأوا لاعباً يملك الجرأة على مواجهة المنافسين، والقدرة على ابتكار الحلول في المساحات الضيقة، والموهبة الطبيعية التي تجعل المشاهدين يتوقفون للحظة لمتابعته.

وأضاف رورا: "اعتقدنا أن هذا الطفل يملك شيئا مميزا، حتى وإن كان يبدو نحيلا بعض الشيء، وقررنا التعاقد معه".

لهذا لم يحتج النادي إلى وقت طويل لاتخاذ قراره. ومنذ تلك اللحظة بدأت الخطوات العملية لنقل الموهبة الواعدة إلى برشلونة. جرت المفاوضات سريعاً مع والده المغربي منير نصراوي ووالدته شيلا إيبانا المنحدرة من غينيا الاستوائية، ليبدأ الطفل الذي كان يلعب في أحياء ماتارو الشعبية رحلة جديدة داخل واحدة من أشهر مدارس كرة القدم في العالم، رحلة ستقوده خلال سنوات قليلة فقط من ملاعب الصغار إلى منصات التتويج العالمية وأضواء كأس العالم.

بعيداً عن الأضواء التي تحيط به اليوم، كان لامين جمال طفلاً هادئاً يميل إلى الخجل أكثر مما يميل إلى لفت الانتباه.

كان يقضي ساعات طويلة في اللعب مع أصدقائه، كما ارتبط بعلاقة خاصة مع جدته فاطمة من جهة والده، التي لعبت دوراً محورياً في تاريخ العائلة قبل سنوات طويلة من ولادة حفيدها الأشهر.

فاطمة كانت أول أفراد الأسرة الذين وصلوا إلى إسبانيا. ففي عام 1990، غادرت مدينة طنجة المغربية على متن عبارة متجهة إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، بحثاً عن حياة أفضل. وبعد استقرارها في كاتالونيا، بدأت تدريجياً في لمّ شمل أفراد العائلة، مستقدمة أبناءها الواحد تلو الآخر خلال السنوات اللاحقة.

واختارت فاطمة الاستقرار في حي روكافوندا بمدينة ماتارو، ذلك الحي الشعبي الذي سيصبح لاحقاً جزءاً لا يتجزأ من هوية لامين جمال. وحتى اليوم لا تزال تعيش هناك، في المكان نفسه الذي شهد بدايات الأسرة في إسبانيا، بينما تغيرت حياة كثيرين من حولها مع مرور الزمن.

أما والد لامين، منير نصراوي، فقد بقي لسنوات طويلة أحد الوجوه المعروفة في الحي، قبل أن ينتقل إلى حي ساريا الراقي في برشلونة بعد حادثة الطعن التي تعرض لها خلال شجار عام 2024. ورغم التحولات التي طرأت على حياة العائلة، بقيت روكافوندا تمثل الجذور الأولى التي يعود إليها الجميع كلما ذُكرت قصة لامين جمال.

وربما لهذا السبب لم يحاول اللاعب يوماً إخفاء تلك الخلفية الاجتماعية أو الابتعاد عنها بعد وصوله إلى قمة كرة القدم الأوروبية. فعلى العكس من كثير من النجوم الذين يسعون إلى رسم صورة جديدة لأنفسهم بعد الشهرة، ظل جمال يتحدث عن طفولته وأحيائه الشعبية بفخر واضح، معتبراً أن تلك البيئة كانت جزءاً أساسياً من تكوين شخصيته.

وفي حديث سابق لبرنامج "60 دقيقة" وقناة "إي أس بي أن" الأميركية، عاد لاعب برشلونة إلى ذكريات طفولته في ماتارو، مستحضراً واقع الأحياء التي نشأ فيها والصعوبات التي عاشها سكانها بعيداً عن صورة برشلونة السياحية اللامعة.