play البث الحي play البث الحي

حفظ

الغواصة البخارية من طراز نوردنفلت "عبد الحميد" التابعة للأسطول العثماني عام 1886 (المصدر: لاست ستاند أون زومبي آيلاند)محمد شعبان أيوبPublished On 5/6/20265/6/2026|آخر تحديث: 15:38 (توقيت مكة)آخر تحديث: 15:38 (توقيت مكة)

مع صعود السلطان عبد الحميد الثاني إلى عرش السلطنة العثمانية عام 1876، كانت الدولة تعاني من مشكلات داخلية وخارجية كثيرة، كان أخطرها زجها في حرب خطيرة ضد الروس أدت إلى خسارة فادحة بلغت حد اقتراب القوات الروسية من العاصمة إسطنبول، وتهجير مئات الآلاف من مسلمي البلقان، وخزينة فارغة، ودولة مضطرة إلى تحمل كل هذه التكاليف العسكرية والمالية، بل وتعويض الروس عن هذه الحرب.

وكان الأخطر من ذلك زيادة النفوذ الروسي في البلقان، وصعود القوميات في بلغاريا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك، وحصول بعضها على الاستقلال، ثم زيادة مساحة الجغرافيا اليونانية على حساب العثمانيين. لقد وصلت الخسائر حد تهديد مستقبل الدولة العثمانية وبقائها، مع صعود ما سُمي في الأدبيات الأوروبية وقتها بـ"المسألة الشرقية"، وهي استعداد الدول الأوروبية لتقسيم الدولة العثمانية والحصول على أقطارها.

وأمام هذا المصير المؤلم، أدرك السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا مفر من المواجهة، وبعد أن استحكمت قوته على الداخل العثماني، وتمكن من القضاء على القوى التي تنازعه في الداخل، كما نازعت عمه عبد العزيز من قبل، وخلعت أخاه مراد الخامس، وكان لها رأي ماض في زمن والده عبد المجيد، عمل بكل قوة على زيادة قوة الجيش العثماني أمام التهديدات المتلاحقة، وأخطرها اليونان المدعومة من الغرب الأوروبي ومن الروس.

"أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار"

وقد أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار، وبلغ مضيق جبل طارق، وسيطر على البحار المتوسط والأسود والأحمر والخليج العربي وأجزاء من المحيط الهندي، وأنه في ظل التطور التكنولوجي السريع في عصره، والتنافس الحضاري والعسكري بين القوى الأوروبية كان لا بد من تحديث الجيش عامة، والأسطول خاصة، ولهذا السبب بدأت الأنظار في عصره تتجه نحو سلاح جديد سيغير المعادلة في البحار والمحيطات فيما بعد، ألا وهو سلاح الغواصات.

رغم غياب تاريخ محدد لبداية اختراع الغواصة، فإن العديد من الأدلة التاريخية تشير إلى أن التصورات الجادة لتصميمها تعود إلى القرن الخامس عشر، حيث قدم عدد من الباحثين والمهندسين، مثل كونراد كيسر (1465)، وليوناردو دا فينشي (1500)، وويليام بورن (1578)، وكورنيليوس فان دريبل (1603)، وروبرت فولتون (1797)، إضافة إلى المهندس العثماني إبراهيم أفندي (1719)، نماذج مبكرة لغواصات، انطلقت أساسا من دافع علمي يتمثل في استكشاف البيئة البحرية العميقة، ورغم ذلك بقيت هذه المحاولات ضمن الإطار التجريبي، ولم تشهد تطورا نوعيا ملموسا إلا مع اقتراب القرن التاسع عشر.

على أن التحول الحاسم في تاريخ الغواصات ارتبط بسياق عسكري، وتحديدا خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حين سجل أول استخدام ناجح لها في القتال، فقد تمكنت غواصة سي إس إس هانلي التابعة للكونفدرالية الجنوبية الأمريكية، من إغراق السفينة يو إس إس هاوساتونيك عام 1864، في عملية استهدفت كسر الحصار البحري الذي فرضته قوات الشمال على ميناء تشارلستون، وتعد هذه الحادثة نقطة الانطلاق الفعلية لتحويل الغواصة من أداة تجريبية إلى سلاح حربي، وذلك كما يرصد أنتوني بريستون في كتابه "الغواصات: تاريخ وتطور السفن القتالية تحت الماء".

"خلال الحرب الأهلية الأمريكية، سُجل أول استخدام ناجح للغواصات في القتال"

وقد فرضت ظروف الحصار البحري القاسي على الولايات الأمريكية الجنوبية البحث عن وسائل غير تقليدية لمواجهة التفوق البحري للشمال، خاصة في ظل تعطل التجارة وانقطاع الإمدادات الخارجية، ومن ثم برزت الغواصات كخيار إستراتيجي يتيح توجيه ضربات تحت سطح الماء ضد سفن الحصار، ومنذ ذلك الحين، أخذت الغواصات تكتسب دورا متزايد الأهمية بين المتنافسين في العالم، لتتحول تدريجيا إلى عنصر ردع فعال، ووسيلة تعزز القدرات العسكرية وتغير موازين القوى البحرية.

وقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر طفرة نوعية في تقنيات الملاحة البحرية، مدفوعة بتطور المحركات البخارية وزيادة التدريع، ما أسهم في نقل مركز القوة العالمية تدريجيا من البر إلى البحر، وأصبحت هيمنة الدول الكبرى تقاس بقدرات أساطيلها البحرية وترساناتها، في ظل تصاعد أهمية البحار كمساحة للصراع والنفوذ، وسرعان ما تحولت الغواصات من أداة تجريبية إلى عنصر ذي قيمة عسكرية، خاصة مع التطورات التقنية التي أدخلها مهندسون مثل الأمريكي سيمون لايك والأيرلندي جون فيليب هولاند، الذي يعرف اليوم بوصفه الأب الروحي للغواصات الحديثة.

وفي هذا السياق التاريخي بدأت الدولة العثمانية في عصر عبد الحميد الثاني الانتباه إلى أهمية هذا السلاح، وقدرته الفذة في إغراق الأساطيل والسفن المعادية، وترجع البدايات الأولى لاهتمام الدولة العثمانية بتقنيات الغوص البحري إلى مرحلة مبكرة نسبيا من تاريخها، إذ تسجل المصادر إشارات إلى تجربة لافتة تعود إلى عام 1720، وردت في كتاب سُرنامه لسيد وهبي حسين.

"مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح تحرك من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان"

ونرى في روايته أن مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح عُرض خلال احتفالات ختان أبناء السلطان أحمد الثالث، حيث تحرك القارب من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان، ثم تضفي الرواية طابعا استعراضيا على الحدث بذكر خروج أشخاص من داخل القارب حاملين أطعمة، في مشهد يوحي بقدرة المركب على العمل تحت الماء، وتعد هذه الواقعة أول تجربة غوص ناجحة معروفة في التاريخ العثماني، بل ظلت أيضا تجربة فريدة لم يتكرر نجاحها لاحقا.

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، عاد الاهتمام العثماني بالغواصات في إطار عسكري أكثر وضوحا، إذ اقتنت البحرية العثمانية هذا النوع من الأسلحة لأول مرة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فتعاقدت مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين، وذلك إثر تطورات تقنية شهدتها أوروبا في هذا الميدان.

كان المهندس البريطاني جورج ويليام غاريت قد طور غواصة تعمل بالبخار عُرفت باسم ريزورغام، غير أنها غرقت أثناء عرض تجريبي، ولكن بعد هذه التجربة تعاون غاريت مع رجل الصناعة السويدي ثورستن فيلهلم نوردنفلت، الذي بادر إلى تصنيع سلسلة غواصات تحمل اسمه ابتداء من عام 1885 في ستوكهولم، حيث أُنتجت أربع غواصات من هذه الفئة.

"تعاقدت البحرية العثمانية مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين"

يرى إفرين ميرجان في دراسته "الغواصات الأولى في البحرية العثمانية" أن غواصات نوردنفلت عكست مرحلة انتقالية في مسار تطور الغواصات وقتئذ، إذ اعتمدت على أنظمة الدفع البخاري، وعلى الرغم من قدرتها على توليد طاقة كبيرة، فإن تطبيق هذه التقنية داخل بيئة مغلقة كالغواصة أفرز تحديات عملية، كان أبرزها ضيق الحيز الداخلي وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات مرهقة للطاقم، مما قيد مدة الإبحار.

كما أن ضعف كفاءة المحركات البخارية أثناء الغوص حد من نطاق العمليات الممكنة، وجعل الأدوار التكتيكية للغواصات محدودة، كما أسهمت الغلايات الثقيلة وخزانات المياه الساخنة في إحداث اختلال في توازن الغواصة تحت الماء، الأمر الذي كان يعرضها لمخاطر الميل غير المستقر، ويؤكد الطبيعة التجريبية لهذه المرحلة من تطور السلاح البحري.

في النهاية، لم تحقق التجارب العملية للغواصة النتائج المرجوة، إذ كشفت عن عيوب تقنية بارزة مثل اختلال التوازن أثناء الغوص، وانبعاث أول أكسيد الكربون، وارتفاع الحرارة داخلها، ما أثر سلبا على كفاءتها، وقد أكد تقرير الموظف العثماني المختص خليل أفندي، المرفوع في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1885 إلى السلطان عبد الحميد الثاني هذه العيوب، مشيرا إلى بطء السرعة وعدم الاستقرار تحت الماء، ومستخلصا ضرورة إدخال تعديلات جوهرية.

وبناء على ذلك التقرير الفني اتسم الموقف العثماني بالحذر في بادئ الأمر وعدم التسرع، في حين أقدمت اليونان على شراء الغواصة عام 1886 بدعم من الوسيط باسيل زخاروف. غير أن التجارب اليونانية أثبتت استمرار المشكلات التقنية، ما قصر استخدامها على مهام دفاعية محدودة، في وقت أثار فيه هذا السلاح نقاشا داخل الأوساط البريطانية حول جدواه كبديل أقل كلفة من التحصينات الساحلية التقليدية.

يرصد إردنيج سنجار في دراسته "تاريخ صناعة الغواصات التركية" أن التجارب التي أجرتها اليونان عام 1886 على الغواصة -التي اشترتها حينئذ مقابل 9 آلاف جنيهٍ إسترليني- قبالة سواحلها كانت محدودة الكفاءة، إذ اتضح صعوبة التحكم فيها وعدم قدرتها على البقاء تحت الماء لأكثر من 5 دقائق، ما جعلها أداة غير مجدية في نظر اليونانيين، فتراجع الاهتمام بها حتى عام 1911، ولكن بسبب غياب معلومات دقيقة حول هذه التجارب، انتشرت في الأوساط العثمانية شائعات ذات طابع تصعيدي عن نوايا يونانية لاستهداف السواحل وخطوط النقل وصولا إلى إسطنبول، وهو ما أسهم في دفع الدولة العثمانية إلى طلب غواصتين أكثر تطورا من شركة نوردنفلت.

"اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية"

لقد اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية، مثل الدردنيل والبوسفور، وتأمين موانئ رئيسية مثل إسطنبول وسالونيك وإزمير وطرابزون وبيروت، وضمان استمرار التجارة، وقد تعزز هذا التوجه بعد الهزيمة الثقيلة في الحرب الروسية العثمانية (1877–1878)، التي كشفت ضعف الأسطول العثماني خاصة في البحر الأسود، مقابل فاعلية زوارق الطوربيد الروسية.

كما استغلت اليونان هذا الضعف عبر دعم تمردات جزيرة كريت ضد الدولة العثمانية، ومضايقة السفن العثمانية، ومحاولات التوسع في مناطق إبيروس وجنوب مقدونيا عام 1885، ما دفع الدولة العثمانية إلى تطوير قدراتها البحرية، والبحث عن وسائل قتالية حديثة، مثل الغواصات القادرة على إطلاق الطوربيدات والعمل في الخفاء.