play البث الحي play البث الحي

حفظ

بوتين لم يعد ينظر إلى نفسه كرجل دولة روسي حديث فحسب، بل كامتداد تاريخي للقياصرة (الفرنسية)Published On 6/6/20266/6/2026

يرى الكاتب بارتون سوايم أن الرؤساء الأمريكيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي أخطأوا مرارا في فهم دوافع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنهم افترضوا أنه يتصرف وفق مفاهيم المصالح القومية والعقلانية السياسية الغربية، في حين تشير أبحاث حديثة إلى أن نظرته للعالم مختلفة جذريا.

واعتمد الكاتب -في مقاله بصحيفة وول ستريت جورنال – على كتاب جديد بعنوان "حلم الشاعر القيصري" ألفته المؤرخة بياتريس دي غراف والباحث نيلز دروست، توصلا فيه إلى أن بوتين لم يعد ينظر إلى نفسه كرجل دولة روسي حديث فحسب، بل كامتداد تاريخي للقياصرة الروس الذين حكموا الإمبراطورية الروسية، وأن رؤيته السياسية أصبحت ممزوجة بعناصر دينية وأرثوذكسية ونزعات تاريخية إمبراطورية.

ويشير المقال إلى أن بوتين لا يقدم نفسه وريثا للاتحاد السوفييتي أو للفكر الشيوعي بقدر ما يربط شرعيته التاريخية بشخصيات قيصرية مثل بطرس الأكبر وكاترين الكبرى والإسكندر الأول، ويستشهد الباحثون على ذلك بآلاف الخطب والتصريحات التي ألقاها منذ وصوله إلى السلطة عام 1999، والتي تظهر تركيزا متزايدا على التاريخ القيصري الروسي أكثر من التاريخ السوفييتي.

وبحسب الكتاب، شهدت أفكار بوتين تحولا مهما بعد عام 2011، عندما واجه احتجاجات واسعة ضد حكمه، لتصبح خطاباته منذ ذلك الوقت أكثر اعتمادا على مفاهيم دينية وقومية محافظة، وبدأ يتحدث بصورة متكررة عن الصراع بين الخير والشر، وعن روسيا باعتبارها قوة أخلاقية وروحية تواجه تهديدات خارجية.

وذكر المقال بأن بوتين في بدايات حكمه كان يتحدث بإيجابية عن التعاون مع أوروبا، لكنه شعر لاحقا بأن الغرب لم يمنح روسيا المكانة التي يعتقد أنها تستحقها، فبدأ يتبنى خطابا أكثر قومية وأكثر تركيزا على عظمة روسيا التاريخية.

ويؤكد المقال أن بعض المقربين من بوتين باتوا يستخدمون مفاهيم لاهوتية أرثوذكسية قديمة لوصف دوره، من بينها مفهوم "كاتيكون" أو "المُقيِّد"، وهو مصطلح ديني يشير إلى شخصية أو سلطة تمنع انتشار الشر والفوضى في العالم.

ويرى أنصار بوتين القوميون أنه يؤدي هذا الدور من خلال الدفاع عن روسيا ضد ما يعتبرونه انحلالا أخلاقيا أو تهديدات حضارية قادمة من الغرب.

ويفسر هذا الإطار الفكري -حسب المقال- سبب استخدام مسؤولين روس كبار لغة دينية خلال تبرير الحرب على أوكرانيا، بما في ذلك الإشارات إلى "الشيطانية" أو المعركة الروحية ضد قوى الشر، وهي لغة تبدو غريبة بالنسبة للمتابعين الغربيين، لكنها تنسجم مع بعض التيارات الفكرية داخل الأرثوذكسية الروسية والقومية الروسية المعاصرة.

ويناقش المقال أيضا مفهوم "العقلانية" في تحليل سلوك بوتين، فبدلا من السؤال عما إذا كان بوتين عقلانيا أم لا، تقترح الباحثة فهم الطريقة التي يرى بها بوتين العالم.

وأشار المقال إلى أن بوتين إذا كان مقتنعا بأن روسيا قوة إمبراطورية تاريخية، وأن كييف تمثل جزءا أساسيا من هويتها الحضارية والدينية، فإن سياساته التوسعية تبدو عقلانية ضمن هذا الإطار الفكري، حتى لو بدت غير عقلانية بالنسبة للغرب.

وتطرح الباحثة سؤالا مهما: هل يستخدم بوتين هذه اللغة لأغراض سياسية فقط أم أنه يصدقها بالفعل؟ وتجيب بأنه لا يمكن معرفة ما يدور في ذهنه يقينا، لكن استمرار انسجام أفعاله وخطابه لأكثر من 25 عاما يوحي بأنه أصبح مؤمنا بها بدرجة كبيرة.

كما يشير المقال إلى أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، رغم بعض مواقفه المتشددة من روسيا في فترات معينة، ما زال يقع أحيانا في خطأ افتراض أن بوتين يسعى إلى السلام باعتباره هدفا بحد ذاته، في حين يرى المقال أن دوافع الزعيم الروسي أعمق وأكثر ارتباطا بتصوراته التاريخية والدينية لهوية روسيا ودورها العالمي.

ويؤكد المقال أن الديمقراطيين وقعوا في الخطأ نفسه، ويستشهد بمحاولة "إعادة ضبط العلاقات" التي قادتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون عام 2009، وبرد فعل وزير الخارجية جون كيري الغاضب بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، عندما افترض أن قواعد النظام الدولي الحديثة ستردع موسكو.

وحذر المقال من أن القادة الأمريكيين قد يخطئون مجددا إذا افترضوا أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستدفع بوتين إلى التراجع وفق حسابات المصلحة التقليدية، لأنه قد يكون مستعدا لتحمل كلفة أكبر بكثير مما يتوقعه خصومه باعتبار أنه يرى نفسه وريثا للقياصرة وحاميا لرسالة تاريخية ودينية.

إعلان