play البث الحي play البث الحي

حفظ

ستاد 974 في قطر الذي استضاف بعض مباريات كأس العالم 2022 (رويترز)محمد أفزازPublished On 6/6/20266/6/2026

مع تطور كرة القدم وتوسع شعبيتها وتأثيرها العالمي، أصبحت الدول تتنافس على استضافة كأس العالم باعتباره حدثا يتجاوز البعد الرياضي ويحمل في طياته أهدافا اقتصادية وتنموية واجتماعية، إضافة إلى أبعاد إستراتيجية ترتبط بالقوة الناعمة وبناء الصورة الذهنية والعلامة الوطنية، بما يعزز الحضور العالمي للدولة المضيفة.

في هذا المقال نستعرض تجارب آخر خمس نسخ من المونديال، من ألمانيا مرورا بجنوب أفريقيا والبرازيل وروسيا وصولا إلى قطر، لفهم طبيعة الأثر الذي يتركه هذا الحدث.

لم يكن حجم تأثير احتضان المونديال اقتصاديا بالمستوى نفسه في النسخ الخمس الماضية، فبينما لم تكن ألمانيا بحاجة إلى تطوير بنيتها التحتية وركزت على الأثر البعدي للمونديال من أجل تغيير صورتها في العالم، كانت مكاسب جنوب أفريقيا مؤقتة وتركزت حول فترة الحدث.

وفي نسخة البرازيل أثقلت تكاليف المونديال ميزانية البلاد، أما في روسيا فكان التأثير أكبر على الناتج المحلي وقطاعات السياحة والنقل والخدمات. ويبقى مونديال قطر نموذجا مركزيا في تقدير حجم التأثير الاقتصادي الإيجابي قبل انعقاد الحدث وأثناءه وبعده.

بلغ الأثر الاقتصادي التقديري الكلي لمونديال 2006 على الناتج المحلي الألماني مستوى 3.2 مليار يورو (نحو 3.5 مليار دولار)، أي (0.13% من الناتج المحلي)، مدفوعا أساسا بإنفاق واستهلاك الزوار والسياح، وترافق ذلك مع إنتاج إضافي بقيمة 5.9 مليار يورو (نحو 6.4 مليار دولار)، كما استفادت الحكومة من مليار يورو (نحو 1.1 مليار دولار) عبارة عن إيرادات ضريبية.

وتركزت الاستثمارات قبل انعقاد المونديال على البنية التحتية كالنقل والملاعب، في حين تم خلق 34.8 ألف وظيفة بدوام كامل نتيجة حجم استهلاك إضافي بسبب المونديال قدر بـ2.8 مليار يورو (نحو 3 مليارات دولار) تم إنفاقه في مجالات الضيافة والترفيه والنقل.

وكانت قطاعات الضيافة والمطاعم والنقل والتجزئة الأكثر استفادة من احتضان المونديال والأكثر خلقا للوظائف، إلى جانب قطاعات أخرى تأثرت بشكل غير مباشر مثل تصنيع المنتجات الغذائية والمشروبات والطاقة، كما تقول دراسة بحثية بعنوان "تجارب تقدير الأثر الاقتصادي الكلي للأحداث السياحية الكبرى.. حالة استضافة كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا "، للباحثين غيرد أهلرت وهولغر بريوس.

بالمقابل خلصت دراسة للباحثين فلوريان هاغن وفولفغانغ ماينينغ بعنوان "تأثير كأس العالم في ألمانيا 2006 على سوق العمل" إلى أن كأس العالم لم يؤثر بشكل ملموس على معدلات البطالة بين المدن المستضيفة للمباريات مقارنة بالمدن غير المستضيفة.

لكن الدراسة تجادل بأنه على الرغم من التأثير الضئيل على سوق العمل إلا أن ثمة قيما اقتصادية أخرى تحتاج إلى دراسة مفصلة قبل أن تقود نتائج البحث إلى استنتاجات تفيد بأن الأحداث الرياضية الكبرى غير مجدية اقتصاديا بشكل عام.

وتذهب الدراسة ذاتها إلى أن شعور السكان بالرضا والسعادة والتأثير الإيجابي للمونديال وتحسين الصورة العامة -رغم صعوبة قياسها كميا- قد تبرران تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، وتقديم الدعم المالي للمونديال من الأموال العامة.

وتشير دراسة أخرى بعنوان "كرة القدم في ألمانيا: حدث رياضي وثقافي كبير لكن بدون آثار ملحوظة على الدورة الاقتصادية"، إلى أن حجم الاستثمارات المخصصة لتنظيم كأس العالم بلغت ما بين 5.5 إلى 6 مليارات دولار، تم تخصيص مليار دولار فقط منها لتوسيع وزيادة سعة الملاعب، وهو مبلغ لم يكن كافيا لإحداث التأثير الاقتصادي المطلوب أثناء سنوات التحضير للمونديال.

وعلى صعيد استخدام القوة الناعمة -وهو ما ركزت عليه البلاد- نجحت ألمانيا في استخدام كأس العالم بشكل مخطط له لإحداث تأثير بعيد المدى يتجاوز الأثر الاقتصادي، ويتعلق الأمر بتحسين صورة الدولة عالميا وبناء "علامتها الوطنية"، معتمدة في ذلك على حملات إعلامية قبل البطولة بسنوات، وجعلت الجمهور في قلب الحدث عبر خلق أجواء احتفالية مفتوحة فيما بات يعرف لاحقا بمناطق المشجعين (فان زون)، التي استقطبت نحو 15 مليونا، لتتحول هذه المناطق وشوارع ألمانيا إلى "مهرجان عالمي" مفتوح ينقل صورة مغايرة عن بلد عرف بالانضباط والصرامة.

وهذا ما أشار إليه الباحث جونثان غريكس في دراسة له بعنوان "توظيف الصورة والأحداث الرياضية الكبرى.. ألمانيا وكأس العالم لكرة القدم فيفا 2006 "، عندما أكد أن ألمانيا استخدمت إستراتيجية متعمدة لتوظيف الحدث من أجل تحسين صورتها بالخارج عبر حملات طويلة ومنسقة، بجانب نهج يتمحور حول المشجعين لخلق حالة من الشعور الإيجابي العام تجاه البطولة.

غريكس أضاف في دراسته أن ألمانيا ربحت رهان كسر الصورة النمطية عن الألمان وبناء صورة جديدة عن أمة حديثة وشعب ودود، بجانب تنمية شعور إيجابي وطني بشأن تنظيم البطولة نفسها، رغم الأثر الاقتصادي المحدود لهذا المونديال.

وبشكل عام رأت الدراسة أن العديد من الباحثين يعتقدون أن الدول دأبت على استخدام القوة الناعمة ضمن حزمة من "سياسة الجذب"، وتشجيع السياحة والتجارة وزيادة النفوذ الدولي.

في تجربة جنوب أفريقيا، ظلت الآثار الاقتصادية للبطولة محدودة، على الرغم من النجاح الواضح "رياضيا وإعلاميا"، إذ استمتع الجمهور ببطولة آمنة ومنظمة بكفاءة، ونقل الإعلام العالمي صورة إيجابية عن هذا البلد الأفريقي.

وأوضحت دراسة بعنوان "اقتصاديات البيانات عالية التردد لكأس العالم لكرة القدم 2010: التأثيرات على الوعي والسياحة"، للمؤلفين وولفغانغ مينيغ وستان دو بليسيس، أن تأثير البطولة قصير المدى على قطاع السياحة -باعتباه قطاعا يعكس المتغيرات الإيجابية على التوظيف والدخل والضرائب- جاء أقل من المتوقع.

وتضيف الدراسة أن التوقعات المتفائلة بشأن قدرة الحدث على جلب قطاع واسع من السياح الدوليين بواقع 380 ألف زائر انعكست في صورة استثمارات ضخمة من القطاع الخاص في القطاع السياحي في السنوات التي سبقت البطولة، بينما لم تتجاوز الزيادة الصافية في السياحة الخارجية 90 ألف شخص، في حين كانت نسبة الإشغال في المدن التي استضافت مباريات المونديال بعيدة عن 100%، مما يعني -بحسب الدراسة- أن اقتصاد البلاد لم يستفد بشكل كامل من موارده.

وتشير دراسة أخرى بعنوان "تحليل تأثير كأس العالم لكرة القدم 2010 على جنوب أفريقيا.. طريق التحكم الاصطناعي" إلى أنه بناء على الإحصائيات فإن الناتج المحلي لجنوب أفريقيا نما بـ3% عام 2010 مقابل انكماش بـ1.5% في عام 2009، وتضيف أنه رغم هذا التحسن فإن ذلك لم ينعكس في صورة زيادة بمعدلات التوظيف، لكن تنظيم البطولة زاد من تدفقات السياحة.

وتنقل الدراسة عن بيانات البنك الدولي أن نسبة العاملين من السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 عاما فأكثر كانت بحدود 44% في عام 2009، ونزلت إلى 41% في عام 2010، كما ظلت هذه النسبة أقل مما قبل المونديال في الفترة من 2010 إلى 2020، مما يعني أن الأثر طويل المدى لم يكن متطابقا مع التوقعات الأولية قبل تنظيم المونديال.

الدراسة نفسها تؤكد أن اقتصاد البلاد أدى بشكل أفضل في الفترة التي سبقت المونديال (2004-2009) بفضل طفرة في قطاعات التشييد والبناء والخدمات، وتشير إلى أن التكلفة التقديرية للتنظيم بلغت 3.9 مليارات دولار، خصص منها 1.3 مليار دولار لبناء وتجديد الملاعب.

وتؤكد الدراسة أن أعداد السياح شهدت قفزة بواقع 19% في عام 2010، مقابل 3% إلى 6% فيما بعد المونديال، في حين قفزت عائدات السياحة بـ18.7% في عام المونديال.

أما على المستوى الرسمي، فقد أعلنت البلاد أن عائدات نهائيات كأس العالم لكرة القدم دعمت الاقتصاد المحلي بما يعادل 4.9 مليارات دولار، وهو مبلغ يزيد على المبالغ التي أنفقتها جنوب أفريقيا استعدادا لاستضافة المونديال، في حين تم خلق 66 ألف وظيفة جديدة، وزار البلاد ما يصل إلى نصف مليون سائح أجنبي.

وتنقلنا دراسة بعنوان "هل حان وقت التحول جنوباً؟ الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأحداث الضخمة في الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا"، إلى ما هو أشمل، وتقول إنه رغم الترويج للفعاليات باعتبارها فرصة تسويقية لجذب الاستثمارات وتحفيز التنمية وإبراز قوة الدولة، إلا أن تجربة الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل في تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى أثبتت أن الفئات الميسورة تستفيد على حساب الفقراء، رغم بعض الفوائد الاقتصادية، خاصة ما تعلق بتطوير البنية التحتية.