xwhatsapp-strokecopylinkطائرة مقاتلة تقلع من حاملة طائرات في بحر العرب (سينتكوم)حسن خضريPublished On 21/4/202621/4/2026
بين 15 و20 أبريل/نيسان، لم تكتف الولايات المتحدة بنشر قوة بحرية وجوية واسعة في محيط إيران، بل أطلقت بالتوازي خطابا إعلاميا مكثفا عبر حساب القيادة المركزية على منصة "إكس" يتحدث عن "السيطرة التامة" و"صفر اختراقات".
ويأتي هذا التصعيد الميداني وفرض الحصار البحري في ظل احتقان سياسي متزايد وتصاعد غير مسبوق للتوترات بين واشنطن وطهران بشأن تعثر مسارات التفاوض وتأمين حركة الملاحة الدولية في الممرات الاستراتيجية.
هذا التعقيد الجيوسياسي دفع الولايات المتحدة لتجاوز أدوات العقوبات التقليدية، والانتقال إلى خطوة "الخنق الخشن" لفرض واقع جديد، وإعادة رسم قواعد الاشتباك والردع في المنطقة، في محاولة لتقليم أظافر طهران الاقتصادية قبل الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
وتحولت مياه بحر العرب وخليج عمان ومضيق هرمز إلى مسرح عمليات مفتوح لاستعراض قوة متعددة الطبقات، تشارك فيه حاملات طائرات ومدمرات صواريخ وسفن إنزال ومروحيات هجومية، إلى جانب آلاف الجنود وفي الوقت نفسه تشارك فيه الصورة والفيديو لبناء رواية سيطرة.
غير أن قراءة هذا المشهد لا تقتصر على ما يحدث ميدانيا بل تمتد إلى كيفية بناء رواية متكاملة عن الردع والخنق الاقتصادي والهيمنة.
وتظهر البيانات الخاصة بنشاط منصة "إكس" لحساب القيادة المركزية الأمريكية "سينتكوم" خلال الفترة من 17 إلى 20 أبريل/نيسان تسجيل نحو 35 ألف منشور (يشمل التغريدات الأصلية وإعادة التغريد والردود على التغريدات ومشاركة صور أو روابط خارجية)، حققت قرابة 3 ملايين مشاهدة، ووصولا محتملا تجاوز 100 مليون مستخدم.
غير أن تحليل طبيعة التفاعل يكشف أن نحو 67% من المحتوى كان إعادة نشر، مقابل 0.3% فقط منشورات أصلية، ما يعكس نمطا قائما على التضخيم لا الإنتاج.
وشارك في هذا النشاط أكثر من 16 ألف حساب، بمتوسط تفاعل محدود لكل مستخدم، ما يشير إلى انتشار واسع تقوده قلة من المصادر الأصلية، ضمن ديناميكية إعادة توزيع مكثفة للمحتوى.
في هذا التقرير نعمل على تحليل تغريدات حساب القيادة المركزية الأمريكية خلال الأيام الأخيرة التي كثفت فيها النشر بشكل كبير تزامنا مع الحصار البحري الذي فرضته على إيران.
تكشف معطيات التغريدات عبر حساب القيادة المركزية على "إكس" عن انتشار عسكري واسع ومتنوع، يتصدره وجود حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، بوصفها مركز القيادة والعمود الفقري للعمليات، مدعومة بعدد من مدمرات الصواريخ الموجهة مثل "بينكني" و"مايكل مورفي" و"رافائيل بيرالتا" و"سبروانس".
هذه القطع لا تعمل بشكل منفصل، بل ضمن شبكة عملياتية متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين الاعتراض، والمرافقة، والردع، والجاهزية القتالية.
وفي هذا الإطار قال اللواء السابق ومدير إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة المصرية سمير فرج إن المشهد الحالي لا يمكن فهمه من زاوية الانتشار العسكري التقليدي فقط، بل يجب قراءته ضمن إطار أوسع يشمل ما يعرف بالحرب النفسية، إلى جانب العمليات البرية والبحرية والجوية.
وأوضح فرج أن استعراض الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة يهدف بالأساس إلى توجيه رسائل ردع مباشرة إلى الخصم، مفادها القدرة على التدمير وإلحاق خسائر كبيرة، وهو ما يعرف بـ"الردع المعنوي"، حيث تسعى واشنطن إلى ترسيخ صورة تفوقها العسكري قبل أي مواجهة محتملة.
إلى جانب ذلك، تظهر سفن الإنزال والقطع البرمائية مثل "تريبولي" و"نيو أورلينز" و"راشمور" بوصفها دعامة لعمليات مشاة البحرية، بما يشير إلى استعداد يتجاوز الحصار إلى احتمالات تدخل ميداني أوسع.
كما تبرز سفن القتال الساحلي مثل "كانبيرا" في العمليات القريبة من الشواطئ، وهو ما يعزز فكرة السيطرة الدقيقة على الممرات البحرية.
هذا التنوع لا يعكس فقط قدرة عسكرية، بل يرسم صورة بصرية متكاملة للهيمنة، فالمشهد كما يُقدّم ليس مجرد انتشار بل "استعراض قوة" محسوب يهدف إلى تثبيت فكرة أن كل طبقات المجال البحري والجوي باتت تحت الرقابة.
في موازاة الانتشار العسكري تتكرر في الخطاب الأمريكي أرقام تتصاعد بشكل لافت، 9 سفن استجابت للأوامر، ثم 10، ثم 19، ثم 21، وصولا إلى 23 سفينة أعيد توجيهها، هذا التدرج الزمني لا يبدو مجرد تحديث تقني بل يشير إلى تعزيز رواية نجاح متراكمة.
الأهم من ذلك هو التكرار اللافت لعبارة "صفر سفن تمكنت من الاختراق". هذه الصياغة الحاسمة لا تترك مجالا للغموض، وتعمل كأداة ردع نفسي موجهة ليس فقط لإيران، بل لكل الأطراف الفاعلة في الملاحة البحرية.
في هذا السياق، تتحول الأرقام إلى بديل عن الأدلة الميدانية المباشرة، فبدلا من عرض صور اعتراض أو تسجيلات عملياتية مفصلة، يتم تقديم أرقام متصاعدة تعزز فكرة السيطرة الكاملة، وهنا لا تعود الأرقام مجرد بيانات بل تصبح جزءا من خطاب دعائي مدروس.
تؤكد الرسائل الأمريكية أن الحصار أدى إلى "وقف كامل للتجارة الاقتصادية المتجهة من وإلى إيران عبر البحر". هذه العبارة تحمل دلالات كبيرة إذ تشير إلى استخدام الحصار كأداة ضغط اقتصادي مباشر.
غير أن هذه الرواية تثير تساؤلات، فحتى الآن لا تظهر بيانات مستقلة بشكل واضح حجم التأثير الفعلي على حركة التجارة، كما لا توجد مؤشرات ملاحية علنية تؤكد توقفا كاملا للملاحة المرتبطة بإيران. هذا لا ينفي وجود تأثير لكنه يفتح الباب أمام احتمال أن الخطاب يبالغ في توصيف نتائجه.
في هذا الإطار، يبدو أن الهدف لا يقتصر على تحقيق ضغط اقتصادي فعلي، بل يمتد إلى خلق تصور بأن الاقتصاد الإيراني بات معزولا بحريا بشكل كامل، وهو تصور قد يكون له أثر نفسي واستثماري يتجاوز الواقع الميداني.
واحدة من أبرز سمات الخطاب الأمريكي هي محاولة تأطير الحصار ضمن مفاهيم قانونية مثل "حرية الملاحة" و"التطبيق المحايد على جميع السفن". هذه اللغة تعيد تقديم الحصار الذي يُفهم تقليديا كإجراء عدائي بوصفه عملية تنظيمية أو أمنية.
هذا التوصيف يحمل مفارقة واضحة؛ فالحصار بطبيعته يقيد حركة السفن لكنه يعرض هنا كوسيلة لضمان حرية الملاحة، هذا التحول في الخطاب يعكس محاولة لإضفاء شرعية دولية على العملية وتجنب توصيفها كتصعيد عسكري مباشر.