play البث الحي play البث الحي مدة الفيديو 46 دقيقة 06 ثانية play-arrow46:06لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة والصين بشأن “تيك توك” محصورا في ما يمكن لهذا التطبيق أن يحمله من مخاطر أمنية على الأشخاص وحسب، لكنه أصبح صراعا على ما يعتبره متخصصون “حصان طروادة” رقميا صينيا.
فمن خلال التطبيق الذي تتحكم الصين في بنيته التحتية الرئيسية وتجمع من خلالها كميات هائلة من البيانات، تحاول بكين اختراق البنية التحتية الأمنية والاجتماعية والأمنية للولايات المتحدة وربما للعالم كله.
تعود القصة إلى عام 2017، عندما أطلقت شركة "بايت دانس" الصينية تطبيق "تيك توك" ليصبح واحد من أكثر التطبيقات شعبية في العالم قبل أن يتحول إلى منافس رئيسي لمنصات التواصل الاجتماعي الكبرى في وادي السيليكون، بدءا من 2020.
ومع تحوله إلى خصم رهيب للشركات الأمريكية، فاقم تيك توك حدة المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، ودفع واشنطن لاتخاذ إجراءات صارمة لمحاصرة نفوذ بكين التكنولوجي وإبقاء الهمينة الأمريكية على العالم.
ولمعرفة تفاصيل هذه المعركة، يجب العودة إلى ولاية دونالد ترمب الأولى، التي لم يكن تيك توك خلالها يمثل مصدر قلق كما هو الآن، وفق فيلم "تيك توك.. حرب البيانات"، الذي أنتجته قناة الجزيرة.
فمنذ دخوله البيت الأبيض عام 2016، رفع ترمب شعاره الشهير "أمريكا أولا"، واتخذ خطوات يرى أنها ستحيل هذا الشعار واقعا عمليا، ولم تكن الصين بمنأى عن هذه الإجراءات.
ففي 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أجرى ترمب أول زيارة رسمية إلى بكين، ولم يمض سوى عام واحد حتى أدرك الصعود الخطير للتكنولوجيا الصينية، وذلك مع اجتياح تيك توك لأمريكا والعالم، وهكذا لم يدم موقفه القديم من التطبيق كثيرا.
فلم يمكن ممكنا لواشنطن تجاهل فرضية التطبيق الذي انتشر كالنار في الهشيم، ليس سوى جزء من طموحات الرئيس شي جين بينغ، الذي يعتبر ماو تسي تونغ جديدا يحاول جعل الصين القوة الأكبر عالميا.
فالزعيم الصيني -الذي لا يتحدث كثيرا- يتبنى خطة لجعل بلاده القوة الرقمية ومن ثم الاقتصادية الأكبر عالميا بحلول 2030، متحديا بذلك الهيمنة الأمريكية التي احتكرت وضع حدود القوة بعد الحرب العالمية الثانية.
وعلى عكس باراك أوباما الذي أدار العلاقات مع الصين عبر التعاون الذي كان يراه النهج الأمثل لتغيير سلوك بكين مع مرور الزمن، تعاملت إدارة ترمب مع بكين كأكبر تهديد جيوسياسي لأمريكا، حسب ما قاله المستشار السابق في شركة بلانتير للتقنيات جيكوب هيلبرغ، الذي يرى أن العالم "تغير تماما بعدما تولى ترمب قيادة الولايات المتحدة".
ففي عهد ترمب، برزت المناقسة الاقتصادية بقوة بين البلدين، وسلط البيت الأبيض ضوءا ساطعا على قضايا الصين، وانتقل بالمعادلة من الاحتواء عبر التعاون إلى فك الارتباط أو إزالة المخاطر، كما تقول المحللة السياسية ريفا غوجون.
فخلف الكلام الدبلوماسي وابتسامات المجاملة، حدد رجل العقارات السابق (ترمب) خلال زيارته الأولى لبكين مسار العلاقات المستقبلية مع البلد الذي اعتبره منافسا وليس شريكا كما كان.
آنذاك، تفجرت قضية تجسس مفاجئة وُجهت فيها اتهامات لعملاق الهواتف الذكية والشبكات والذكاء الاصطناعي، هواوي، التي توسعت في أنحاء العالم وبنى امبراطورية حقيقية في مجال الاتصالات.
وكان بريندان كار، رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية وصاحب الكلمة الأخيرة في هذه الملفات، أول ما تنبه لنشاط هواوي داخل الولايات المتحدة، حسب قوله.
فقبل سنوات، كان كار في قاعدة "مالمستروم" الجوية في منطقة الشلالات الكبرى لولاية مونتانا، ولاحظ معدات هواوي عالية التردد والأداء موجودة على جميع أبراج الهواتف المحمولة.
ولم يكن معقولا -كما يقول كار- وجود هذا المستوى المرتفع من التكنولوجيا في مكان لا يوجد به سوى المقذوفات الاستراتيجية الأمريكية.
فمعدات الاتصالات الصينية بشكل عام، يمكن استخدامها للتجسس على المواطنين الأمريكيين والمنشآت الحساسة، وقد تستخدم أيضا في إحداث نوع من التخريب، برأي غوجون.
والواقع أن الولايات المتحدة لم تكن وحدها المشغولة بهذه المخاوف، ففي مايو 2019 عُقد مؤتمر دولي بالعاصمة التشيكية براغ، لبحث مستقبل شبكة اتصالات الجيل الخامس، التي ترغب هواوي في أن تكون واحدا من مشغليها الرئيسيين عالميا.
وفي هذا المؤتمر، قال الرئيس التنفيذي السابق للمركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني سياران مارتن، إن هناك تهديد حقيقي مستمر ومتغير ويجب توظيف إدارة المخاطر بعقلانية.
وما هي إلا أيام، وبدأ ترمب حراكا لمحاصرة عمل هواوي ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما في عدد من الدول التي قال إنه تواصل مع قادتها شخصيا لإقناعهم بعدم استخدام منتجات الشركة "لأنها تنطوي على مخاطر أمنية كبيرة". ووصل الأمر إلى رهنه التعامل مع هذه الدول بوقفها الاعتماد على هواوي.
ومن وجهة نظر غوجون، تتمحور فكرة مواجهة ما تراه الولايات المتحدة خطرا صينيا "حول تطهير الشبكات والبنية التحتية الحيوية في أمريكا ولدى حلفائها من تقينات الاتصالات الصينية وهو ما حدث في عهد جو بايدن، ويجري العمل عليه حاليا".
فبإبعاد هواوي عن الولايات المتحدة، أرسلت إدارة ترمب رسالة واضحة إلى الصين مفادها أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة "فك الارتباط" أو "إزالة المخاطر".
وبغض النظر عن التسمية، تقول المحللة الأمريكية، إن ما يجري حاليا "هو وجوب تفكيك بعض الروابط كشكل من أشكال الفطام الذي لا يتعلق ببنية الاتصالات وحسب ولكنه يمتد لأشباه الموصلات التي أصبحت محور تركيز رئيسي".
فالولايات المتحدة تحت حكم ترمب "تتحرك بشكل أوسع للتحكم في تدفق البينات وتطهير شبكة الإنترنت التي تنقل البيانات عبر الحدود"، حسب تعبير غوجون.
وعلى الجهة المقابلة، لم يقف الرئيس الصيني شي جين بينغ، صامتا. فقد رفع الرجل أيضا شعار "صنع في الصين" لتقليل الاعتماد على المنتجات الأمريكية تحديدا، سعيا لتقليص المخاطر أو فك الارتباط، كما يقول المستثمر الأمريكي دنكان كلارك.