play البث الحي play البث الحي

حفظ

البابا ليو الرابع عشر يلمس صليبه أثناء إجابته على أسئلة الصحفيين خلال رحلته من الكاميرون إلى أنغولا في 2026 (أسوشيتد برس)إبراهيم إسماعيلPublished On 6/5/20266/5/2026|آخر تحديث: 17:23 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:23 (توقيت مكة)

المسيحية من الأديان السماوية الثلاثة. ترتبط بشخصية المسيح عيسى (يسوع) عليه السلام الذي وُلد في فلسطين قبل ما يزيد على ألفي عام، وكانت تعاليمه إصلاحية تهدف إلى إعادة الناس إلى الإيمان والأخلاق، وتدعو إلى المحبة والتسامح ومساعدة الفقراء وإصلاح نفس الفرد المؤمن.

عاش المسيح في فلسطين ضمن بيئة يهودية (بنو إسرائيل) خاضعة للحكم الروماني في القرن الأول الميلادي، وكان ينتقد ممارسات القيادات الدينية اليهودية في زمانه، مما أدى إلى اصطدامه بها، وانتهى الأمر باعتقاله والحكم عليه بالصلب الذي كان وسيلة إعدام شائعة في ذلك العصر.

تَعرِض المسيحية الصلب باعتباره حدثا فدائيا مقصودا للتكفير عن خطايا البشر، ويُنظر إليه باعتباره وسيلة لخلاص الإنسان من الخطيئة الأصلية، وهي بحسب اللاهوت المسيحي خطيئة موروثة منذ آدم، غير أن فكرة الخلاص لم تكن في بدايتها بالشكل الذي استقرت عليه لاحقا، بل تبلورت عبر إضافات وشروح تراكمت في فترات مختلفة.

يُعدّ المسيح شخصية محورية في المسيحية، غير أن صورته النهائية كما استقرت في الوعي المسيحي -بوصفه ابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث (يُقصد بالثالوث: الآب والابن والروح القدس)- تشكلت عبر المجامع الكنسية التي استبعدت عبر فترات زمنية متفرقة كل تصور مخالف، خصوصا التصورات في المراحل المبكرة، ونتيجة لذلك اندثرت مجموعة من الآراء التي صُنّفت باعتبارها هرطقات، أي آراء دينية مخالفة للعقيدة الرسمية المعتمدة.

وتؤمن المسيحية بالكتاب المقدس الذي يضم العهد القديم الذي يشمل التوراة وكتابات أخرى، والعهد الجديد الذي يضم الأناجيل ورسائل أخرى. فالعهد القديم نص ديني معترف به، بينما يمثل العهد الجديد المرجع الأساس المباشر للعقيدة المسيحية وتعاليم المسيح.

الأناجيل الأربعة التي تُعرف بالقانونية، وهي: متّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنّا، والمعترف بها رسميا؛ كان بجانبها في القرون الأولى نصوص دينية متداولة بين الجماعات المسيحية دون اتفاق نهائي عليها، حتى حسمت الكنيسة القانوني منها، فاستقر بذلك الشكل الرسمي للكتاب المقدس.

مصطلح الكنيسة (Ekklesia) يعني "حلقة المواطنين" (وهو مصطلح يوناني كان يُستخدم للدلالة على الاجتماع العام)، وهو ما يدل على أنها في الأصل لم تكن مؤسسة دينية رسمية، وإنما تجمع بشري حول فكرة دينية، ولذلك ظهرت في بداياتها على شكل مجموعات صغيرة منتشرة لا يوجد لها مركز واحد جامع.

ظهرت أول كنيسة في التاريخ المسيحي، وهي "كنيسة أورشليم"، بعد ما عُرف بحادثة الصلب. وكان إطار هذه الكنيسة قريبا من البيئة اليهودية، حيث استمرت في بعض الممارسات المرتبطة بالشريعة اليهودية.

وأضافت الكنيسة عناصر جديدة مرتبطة بالمسيح وتعاليمه، مثل الاجتماع يوم الأحد، وفكرة العشاء الأخير الذي أصبح لاحقا رمزا دينيا أساسيا في الإيمان المسيحي.

انتشرت المسيحية الأولى عن طريق الحجاج الذين يقصدون أورشليم (مدينة القدس) ثم يعودون إلى مواطنهم، فانتشرت في يافا واللد وصور ودمشق، مما أدى إلى نشوء جماعات مسيحية غير مركزية. ومع الوقت برز سؤال حول هوية الدعوة المسيحية، هل هي موجهة لليهود فقط؟ أم لجميع البشر؟

نتج عن ذلك ظهور تيارين داخل المسيحية الناشئة، الأول مثّله بطرس الذي رأس كنيسة أورشليم، ويعقوب الذي خلفه في رئاسة الكنيسة، حافظ هذا التيار على ارتباط قوي بالشريعة اليهودية داخل الإطار اليهودي، أما التيار الآخر فهو تبشيري عالمي مثّله بولس، الذي سعى إلى نشر الإيمان بالمسيح بين غير اليهود دون إلزامهم بالشريعة.

وقد حُسم هذا الخلاف جزئيا في مجمع أورشليم (حوالي 50 للميلاد)، حيث لم يُفرض الالتزام الكامل بالشريعة على غير اليهود، ومع انتشار المسيحية خارج البيئة اليهودية، أصبح الطابع العالمي هو الغالب، فتراجعت الجماعات المسيحية ذات الطابع اليهودي تدريجيا.

بحسب الرواية المسيحية، فقد حدث التحول الحاسم سنة 70م مع نهاية كنيسة أورشليم والقطيعة مع اليهودية، فاختلط المسيحيون من أصول يهودية مع المعتنقين لها من خلفيات غير يهودية، وأصبح هذا الاختلاط هو القاعدة العامة.

وفي تلك المرحلة بدأت الكنيسة تتحول تدريجيا من حركة دعوية إلى مؤسسة منظمة، إذ كانت الجماعات الصغيرة تُدار من رئيس محلي، ومع توسعها ظهر منصب الأسقف الذي أصبح مسؤولا عن مناطق كنسية أكبر ويشرف على الجماعات المحلية.

وفي تلك الحقبة كان يُنظر إلى المسيحيين داخل الإمبراطورية الرومانية على أنهم يهود أجانب لهم حق العبادة دون عبادة الإمبراطور الروماني، غير أنهم تعرضوا لاحقا للاضطهاد، فظهر مفهوم الشهداء، وهم الذين ماتوا نتيجة للاضطهاد لأجل الإيمان، وقد كُرّموا لاحقا باعتبار أن موتهم دليل على صدق الإيمان، ومنحتهم الكنيسة دور الشفاعة، كما اعتُبر الاستشهاد قيمة دينية عليا ومصدرا للقداسة.

ارتبطت الخلافات المسيحية المبكرة بطبيعة المسيح، وظهرت مفاهيم اللاهوت الذي يشير إلى الطبيعة الإلهية، والناسوت الذي يشير إلى الطبيعة البشرية، مما أثار أسئلة حول طبيعة المسيح؛ هل هو إنسان فقط؟ أم إله فقط؟ أم إله وإنسان في آن واحد؟

كما بدأت الخلافات حول سلطة الكنائس، مع ادعاء أسقف روما (الذي يُعرف اليوم ببابا الفاتيكان) المرجعية العليا، في مقابل معارضة كنائس الإسكندرية وقرطاج وأنطاكية.

وتُعد "المدرسة الإسكندرية المسيحية" (Didascalée d’Alexandrie) من أقدم المدارس اللاهوتية المسيحية في الإسكندرية، وكان لها دور في صياغة مفهوم اللوغوس (أي الكلمة الإلهية المتجسدة)، وقد اضطلع بهذه المهمة كليمنص الإسكندري، الذي كان من أوائل من مهّدوا لمفهوم التثليث.

ثم ظهرت الأرثوذكسية بمعنى العقيدة الصحيحة، وترافق ذلك مع مفهوم الهرطقة الذي يشير إلى الآراء المخالفة للعقيدة الرسمية، مما أدى إلى إقصاء المخالفين وتكريس التمايز بين الجماعات المسيحية.

كما ظهر مفهوم الحرمان، أي إقصاء الشخص من الجماعة المسيحية واعتباره خارج العقيدة الصحيحة بهدف حماية العقيدة وضبط الاختلافات، إلا أن ذلك أدى عمليا إلى تثبيت الانقسامات بدل حلها، ويُعدّ حرمان مرقيون سنة 144م من أبرز الحالات المبكرة.

وفي القرنين الرابع والخامس ظهرت الأريوسية (Arianisme) التي قالت إن الابن ليس مساويا للآب، والنسطورية (Nestorianisme) التي رفضت وصف مريم بأنها أم الإله وما تزال موجودة في سوريا والعراق، وكذلك المونوفيزية (Monophysisme) التي قالت بالطبيعة الإلهية الواحدة للمسيح.

في التاريخ المسيحي؛ كلما ظهرت خلافات لاهوتية كبرى، استدعى ذلك عقد مجمع كنسي للفصل فيها. وقد لعبت هذه المجامع دورا محوريا في تحديد العقائد الكبرى، كما أسهمت في نشوء الانقسامات.

فقد أقرّ مجمع نيقية (325م) ألوهية المسيح، وأن الابن من نفس جوهر الآب، بينما ثبّت مجمع القسطنطينية (381م) عقيدة التثليث. ثم جاء مجمع أفسس (431م) ومجمع خلقيدونية (451م) لتحديد طبيعة المسيح. وغالبا ما كانت قرارات هذه المجامع تُتبع باضطهاد المخالفين لها.

أما أبرز الانقسامات التاريخية في المسيحية، والتي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، فترجع إلى ثلاثة تواريخ رئيسية: