play البث الحي play البث الحي

حفظ

أنصار المرشح اليميني المتشدد أبيلاردو دي لا إسبرييا في أحد شوارع بوغوتا،(الجزيرة)أمل بن عثمانPublished On 6/6/20266/6/2026

بوغوتا- في حي واحد من أحياء بوغوتا، عاصمة كولومبيا، لا تفصل بين أجزائه سوى بضعة شوارع، تتجاور ثلاث رؤى وهواجس مختلفة لواقع البلاد ومستقبلها.

خوسيه مانويل نيفا، صاحب مطبعة صغيرة، يخشى أن يؤثر ما يصفه بتدهور الوضع الأمني والتراجع الاقتصادي على مشروعه. وعلى بعد أمتار منه، يرى لويس كارلوس فينيغاس، بائع أعشاب متجول، أن اليمين يمثل استمرارا لعقود من التفاوت الاجتماعي الذي طبع تاريخ كولومبيا. أما بائعة طعام تعمل في الشارع، فضلت عدم الكشف عن هويتها، فتختصر كل مطالبها في جملة واحدة: "اتركونا نعمل". الثلاثة يتحدثون عن الاقتصاد والأمن، والثلاثة ينتظرون خطوات ملموسة من الرئيس المقبل.

وشهدت كولومبيا الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، في 31 مايو/أيار، وكانت المفاجأة كبيرة حين حل مرشح أقصى اليمين، أبيلاردو دي لا إسبرييا، في المرتبة الأولى، حاصدا 44% من الأصوات أمام إيفان سيبيدا، مرشح اليسار وممثل حزب الرئيس الحالي غوستافو بيترو، خلافا لما كانت تشير إليه استطلاعات الرأي التي وضعته في الصدارة.

وفي المقابل، شهد اليمين التقليدي وحزب الرئيس السابق ألفارو أوريبي، الممثل بالمرشحة بالوما فالنسيا، تراجعا حادا، إذ لم يحصد سوى أكثر بقليل من 6% من الأصوات.

"الأمن"، هكذا يجيب خوسيه مانويل نيفا فورا عندما يُسأل عن أولوياته الانتخابية. ثم يضيف "العمل".

يبلغ نيفا 51 عاما، وقد صوّت لصالح المرشح اليميني المتشدد أبيلاردو دي لا إسبرييا. ويقول إن موقفه السياسي تشكل خلال سنوات النزاع المسلح التي عاشها بين بوغوتا ومدينة فيلافيسينسيو الواقعة جنوب شرق العاصمة. ويتذكر الحواجز التي كانت تنصبها الجماعات المسلحة على الطرقات، وعمليات الخطف والابتزاز التي كانت جزءا من الحياة اليومية آنذاك. ويقول: "اختُطف زوج أختي، واضطرت عائلتنا إلى دفع المال".

لهذا السبب، لا يزال ينظر بإيجابية إلى السنوات الأولى من حكم الرئيس اليميني الأسبق ألفارو أوريبي، الذي قاد حملة أمنية واسعة ضد الجماعات المسلحة اليسارية خلال ذروة النزاع. ويضيف نيفا: "اختفت نقاط الخطف الجماعي والحواجز غير القانونية".

ولا يزال ذلك الماضي يؤثر في نظرته إلى الحاضر، إذ يرى أن كثيرا من الشباب لم يعيشوا تلك المرحلة وينظرون إلى اليسار من زاوية مختلفة. ويوضح "الشباب لم يعرفوا بيترو عندما كان في صفوف حركة مسلحة، بل عرفوه باعتباره منقذا". وكان الرئيس بيترو عضوا في حركة "إم-19″، وهي جماعة يسارية مسلحة سابقة أبرمت اتفاق سلام في بداية التسعينيات قبل أن تتحول إلى العمل السياسي.

ويعتقد المتحدث ذاته أن الوضع الأمني تراجع خلال السنوات الأخيرة، ويقول أيضا إنه يشهد إغلاق شركات وتراجع الاستهلاك. أما دعمه لدي لا إسبرييا، فيلخصه بفكرة بسيطة "إنه رجل أعمال، والبلد في النهاية شركة تحتاج إلى إدارة".

على بعد أمتار قليلة فقط، لدى لويس كارلوس فينيغاس، بائع الأعشاب المتجول، قراءة مختلفة لأوضاع البلاد. فهو أيضا منشغل بالاقتصاد ويريد فرصا أفضل وحياة أكثر استقرارا، لكنه يحمّل المسؤولية للقوى السياسية اليمينية المحافظة التي حكمت كولومبيا لعقود قبل فوز غوستافو بيترو عام 2022.

ويقول عن هذا الصعود الجديد لليمين "لم يفاجئني، لكنه أغضبني". ويرى أن جزءا كبيرا من التأييد الذي يحظى به دي لا إسبرييا يعود إلى التضليل الإعلامي، وإلى رد فعل عاطفي ضد اليسار.

وعلى خلاف خوسيه مانويل نيفا، لا ينظر بسلبية إلى حصيلة الرئيس الحالي. يقر بأن كثيرا من الوعود لم تتحقق، لكنه يرى أن الحكومة حققت بعض التقدم، ولذلك يدعم إيفان سيبيدا الذي تعهد بمواصلة مشروع بيترو السياسي والاجتماعي.

وعندما يُسأل إن كان يخشى فوز اليمين، يجيب: "عمري 63 عاما وعشت حياتي كلها في ظلهم". لكنه لا يضع آمالا كبيرة في السياسيين ويقول ببساطة: "أملي في الله".

أما الصوت الثالث فهو لبائعة طعام، بينما تجهز الطلبات وتستقبل الزبائن، تبدو بعيدة عن النقاشات السياسية الكبرى. وتقول "كل ما أريده هو أن يتركونا نعمل".

وبالنسبة لها، تُقاس السياسة بنتائجها المباشرة على حياتها اليومية. وتتذكر سنوات كانت فيها السلطات تصادر بضائع الباعة المتجولين أو تطردهم من الشوارع. ولهذا تحتفظ بصورة إيجابية عن بيترو، سواء عندما كان رئيسا لبلدية بوغوتا أو بعد وصوله إلى الرئاسة. وتؤكد: "كانوا يعاملوننا كأننا لصوص. معه تغير ذلك".

وتعرف جيدا ما تنتظره من الرئيس المقبل "ألا يجعل حياة العاملين في الاقتصاد غير الرسمي أكثر صعوبة. ولهذا السبب تميل أيضا إلى دعم سيبيدا".

بالنسبة لكثيرين في كولومبيا، كانت صدارة دي لا إسبرييا مفاجئة. لكن عالم السياسة، فيليبي بوتيرو، الأستاذ في جامعة الأنديز في بوغوتا، يرى أن حالة الانقسام في البلاد تلقي الضوء على نتائج الجولة الأولى من الانتخابات. ويقول للجزيرة نت: "هناك إرهاق واضح من حكومة بيترو، إلى جانب شعور قوي بتدهور الأمن".

وخلال حملته، لم يتوقف دي لا إسبرييا عن التنديد بالحصيلة الأمنية للرئيس بيترو، وخصوصا سياسة "السلام الشامل" التي انتهجها، والتي تعد إحدى أبرز سياسات حكومته. وتقوم هذه المبادرة على الحوار والتفاوض مع الجماعات المسلحة من أجل التوصل إلى اتفاقات تنهي الحرب الداخلية في كولومبيا.

وحسب ممثلي اليمين المتطرف واليمين وحتى جزء من الوسط، لا يمكن التحاور أو التفاوض مع من يصفونهم بالإرهابيين. وقال دي لا إسبرييا في أكثر من مناسبة إن الحصيلة الوحيدة لسياسة السلام الشامل كانت تعزيز نفوذ الجماعات المسلحة وتوسيع مناطق نشاطها.

ويقترح دي لا إسبرييا، لإعادة الأمن، عسكرة البلاد وبناء سجون عملاقة شديدة الحراسة على غرار تلك التي تبناها الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي، إلى جانب إنهاء سياسة بيترو للسلام الشامل. أما اقتصاديا، فيدعو إلى خفض الضرائب على قطاع الأعمال والدفاع عن التكسير الهيدروليكي لاستخراج النفط والغاز. ويبدو أن هذا الخطاب وجد آذانا صاغية لدى أكثر من 10 ملايين ناخب، وضعوه في صدارة السباق الرئاسي.

وبحسب بوتيرو، وصلت قوى اليسار إلى هذه الانتخابات وهي أضعف مما كانت عليه قبل أربع سنوات. فقد خسر بيترو جزءا من شعبيته بسبب أسلوبه الذي يراه البعض صداميا، وبسبب الصعوبات التي واجهها في تمرير إصلاحاته. كما لم يتمكن المرشح سيبيدا من تقديم نفسه باعتباره مستقلا بما يكفي عن الحكومة الحالية.

ويفسر المحلل ذلك بقوله إن سيبيدا "تحمل الكلفة السياسية للحكومة من دون أن ينجح في استثمار نقاط قوته الخاصة".

في المقابل، شهد اليمين التقليدي تراجعا غير مسبوق، ما فتح المجال أمام شخصية مثل دي لا إسبرييا لتقديم نفسها بديلا جديدا. وقد استفاد المرشح اليميني من حملة نشطة على منصات مثل تيك توك وإكس، نجحت في الوصول إلى شرائح لم تتمكن استطلاعات الرأي من رصدها بدقة.

ولا يقتصر ما يجري في كولومبيا على حدودها الوطنية. فحسب الأستاذ الجامعي، يمثل دي لا إسبرييا النسخة الكولومبية من موجة يمينية تشهدها عدة دول في المنطقة، وصعدت بفضلها شخصيات مثل خافيير ميلي في الأرجنتين، ونجيب بوكيلي في السلفادور، ودانييل نوبوا في الإكوادور، وخوسيه أنطونيو كاست في تشيلي، كما تتقاطع مع الظاهرة التي يمثلها دونالد ترمب في الولايات المتحدة.