xwhatsapp-strokecopylinkوائل حلاق يفتح عبر كتابه الجديد ملف الدستورية الإسلامية ومأزق الدولة الحديثة (الجزيرة)عثمان أمكورPublished On 20/4/202620/4/2026
يبحر بنا هذا اللقاء الاستثنائي الذي أجريناه في "الجزيرة نت" في أغوار العقل الفقهي والدستوري للإسلام، بصحبة واحد من ألمع فلاسفة التشريع في العصر الحديث، البروفيسور وائل حلاق. ويأتي هذا الحوار مستندا إلى مادة أحدث مؤلفاته الضخمة: "الفصل الراديكالي للسلطات: تاريخ الدستورية الإسلامية" (Radical Separation of Powers: A History of Islamic Constitutionalism)؛ وهو السفر الذي لا يقف عند حدود التأريخ للنظم السياسية الإسلامية، بل يتجاوزها ليعيد صياغة فهمنا لآليات اشتغال "السلطة" و"القانون" و"الأخلاق" في مشكاة الحضارة الإسلامية، عبر قرون من العطاء المعرفي المستقل.
يستعصي فهم ولادة هذا السفر بمعزل عن ذاك "الزلزال الفكري" الذي فجره كتاب حلاق السابق "الدولة المستحيلة"؛ فبينما بسط الأخير أطروحة نقدية بنيوية حول استحالة المواءمة بين القيم الأخلاقية الإسلامية ونموذج الدولة القومية الحديثة، انبعث العمل الجديد بوصفه "مرافعة تاريخية وفلسفية" متممة. وهو بذلك، يفيض في تفصيل الإجابات عن الأسئلة التي بقيت في ذمة الفصل الثالث من "الدولة المستحيلة"، ويجلو الكيفية التي استطاع بها الإسلام -تاريخيا- إرساء نظام دستوري يتفوق بمتانته الأخلاقية وقيمه الجوهرية على سائر النماذج الليبرالية المعاصرة.
"في كتابه الجديد، يوضح حلاق كيف استطاع الإسلام إرساء نظام دستوري يتفوق بمتانته الأخلاقية وقيمه الجوهرية على سائر النماذج الليبرالية المعاصرة"
تتجاوز الدوافع التي يستحضرها حلاق في هذا العمل حدود الرصد الأكاديمي البارد، إذ ينطلق من رغبة جازمة في تنقية مفهوم "الدستورية الإسلامية" من كدر التأويلات القاصرة وحملات النقد التي استهدفت أطروحاته السابقة. فهو يذهب إلى أن النموذج الدستوري الغربي القائم على مبدأ "فصل السلطات" قد تداعت أركانه وآل إلى إفلاس وتداع عملي، في حين ظل النموذج الإسلامي -بواسطة مؤسسة "المذهب" واستقلالية الفقهاء- يجسد فصلا حقيقيا وجذريا للسلطة، يذود عن حياض الشريعة ويحميها من تغول الحكام ونزعاتهم الاستبدادية.
يبسط حلاق على مدار 12 فصلا، وفي حيز يربو على 500 صفحة، مضامين كتابه التي تتقصى التحولات في الفكر الدستوري الإسلامي، بدءا من القرن الرابع الهجري وصولا إلى منتصف القرن التاسع عشر. ولا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي المجرد، بل يقدم تشريحا دقيقا للسلوك الاجتماعي الذي صير الشريعة ثقافة جامعة وصمام أمان يحول دون نفاذ إرادة الحاكم المطلقة؛ مرسيا حقيقة أن "المذهب" لم يكن مجرد مدرسة فقهية، بل كان نظاما دستوريا متكاملا يمنح القانون مشروعيته واستقلاله.
يعمد حلاق في أطروحته إلى إجراء تشريح نقدي للمقاربات الاستشراقية والعلمانية، التي أخفقت في إدراك كنه هذا النظام لقصور أدواتها عن استيعاب البعد الروحي والنزعة التعاطفية للشريعة. ويخلص حلاق إلى أن استعادة هذا التاريخ الدستوري لا تقف عند حدود استذكار الماضي، بل تبرز كضرورة فلسفية لتبيان مآزق الدولة الحديثة التي استأثرت باحتكار الأخلاق والقانون معا؛ مؤكدا أن النموذج الإسلامي قدم -تاريخيا- إجابة رصينة حول كيفية لجم السلطة المطلقة وحماية الحقوق الجماعية في ظلال منظومة أخلاقية متعالية.
المحاور: اسمح لي أن استهل حديثي بسؤال جوهري: كيف ولدت فكرة هذا الكتاب؟ وما الذي جعلك تستشعر ضرورة المضي في تأليفه؟
تتعدد بواعث التأليف وتتباين دوافعه؛ فحينا يعرض للباحث سؤال لم يظفر بجواب شاف فيما سلف من تصانيف، وحينا يكون التأليف مقتضى وظيفيا، كشأن طالب الدكتوراه الذي يروم نيل درجته العلمية من خلال أطروحته. وفي أحايين أخرى، يغدو الكتاب الأول مفزعا لتساؤلات مستجدة، تتولد عنها إجابات قد تتبلور في صورة مقالة، أو دراسة، أو حتى سفر ضخم ينوء بحمله العصبة.
بيد أن هذا السفر لم يبرز إلى الوجود بهذه الطريقة؛ فعلى الرغم من أن قضايا النظرية السياسية كانت تستبد باهتمامي منذ عهد أن كنت طالبا في مرحلة البكالوريوس، حيث كانت أحد ميداني تخصصي آنذاك، إلا أن فكرة التصنيف في المسائل الدستورية لم تكن لتخطر لي على بال، حتى كان صدور كتابي "الدولة المستحيلة" عام 2013 عن دار نشر جامعة كولومبيا، وما تلاه من ذيوع تجلى في ترجمته إلى لغات عدة، كانت فاتحتها النسخة العربية الصادرة عام 2014.
لقد بسطت في كتابي "الدولة المستحيلة" أطروحة مفادها استحالة إرساء كيان سياسي إسلامي في ظل هيمنة نظام الدولة الحديثة؛ كيان يتخذ من القيم والمعايير الإسلامية الجوهرية ركيزة لوجوده، وهي ذات القيم التي سادت المجتمعات المسلمة ووجهت دفتها طوال اثني عشر قرنا خلت، سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي في منتصف القرن التاسع عشر. وقد طرق الكتاب أبواب قضايا جوهرية شتى، لم يختص منها بالمسألة الدستورية سوى فصل واحد -هو الفصل الثالث- الذي وسمته بـ: "الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة؟".
"في كتاب الدولة المستحيلة، نافح حلاق عن فكرة مفادها استحالة إرساء كيان سياسي إسلامي في ظل هيمنة نظام الدولة الحديثة"
وقد برهنت في مطاوي هذا الفصل، أولا، على أن النموذج الدستوري الليبرالي -بشقيه النظري والتطبيقي- ينطوي على مآزق وإشكالات بنيوية بالغة العمق، لدرجة يسوغ معها القول إن نظرية "الفصل بين السلطات"، التي نافح عنها أقطاب الفكر الدستوري الغربي، قد تداعت أركانها وآلت إلى الانهيار بالفعل. وثانيا، فقد جليت مواطن تفوق النموذج الدستوري الإسلامي على نظيره الليبرالي؛ وبناء عليه، فإنه لم يعد ثمة ما يغري المسلمين بمحاكاة ذلك النظام أو اقتفاء أثره.
ولا يخفى على القارئ ما أحدثه كتابي "الدولة المستحيلة" من حراك فكري وسجال مستفيض في العالمين العربي والإسلامي، وفي المحافل الأكاديمية الغربية على حد سواء. وقد كان للفصل الثالث منه -الذي لم يتجاوز 36 صفحة- نصيب وافر من سوء التأويل، بل وإنه لتعرض في واقع الأمر لحملة شعواء من النقد الحاد. ومن ثم، يجيء هذا الكتاب ليكون مرافعة علمية عن كبريات الأطروحات التي أرساها ذلك الفصل، معززة بتنقيحات وتفصيلات ضاق عنها مقامه، فاستوجبت بسطا لم يكن ليتحقق في حيز بذاك الضيق.
إن هذا الكتاب، والذي أعتقد أنه أول تاريخ دستوري للإسلام يتم تدوينه، يستقصي الحقبة الواقعة بين أواخر القرن الرابع الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر (أي منذ مطلع القرن الحادي عشر إلى منتصف التاسع عشر للميلاد). وأود التأكيد هنا على أن هذا العمل لا يقف عند حدود السرد التاريخي الزمني، بل هو دراسة بنيوية معمقة للتحولات الدستورية الإسلامية، ترصد ثلاث مراحل كبرى سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي إلى ديار المسلمين. ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، تشتمل على 12 فصلا، وتربو صفحاته على 550 صفحة.
"يقدم كتاب حلاق الجديد دراسة معمقة للتحولات الدستورية الإسلامية، ترصد ثلاث مراحل كبرى سبقت مقدم الاستعمار الأوروبي إلى ديار المسلمين"
وإنني لأستأذن القارئ العربي في توجيه ملحوظة تحذيرية أخرى؛ فبناء على ما خبرته طوال عقدين أو ثلاثة من الزمان، استرعى انتباهي تزايد فئة من الشباب الذين يندفعون في الجدال، وينافحون باستماتة عن أطروحات بعينها دون زاد كاف من القراءة، حتى في أدق التخصصات حصرا. بل إن العجب ليبلغ مداه حين يتصدى البعض لمجادلتي في صميم نتاجي الفكري، وهم لم يقفوا عليه إلا من خلال شذرات مقتطعة وقبسات متفرقة؛ وهذا المسلك -إن جاز الوصف- ليس معيبا فحسب، بل هو عين الجهل وذاته.
لذا، فإنني أهيب بالمهتمين بهذا الشأن أن يستفيضوا في قراءة هذا الكتاب -أو أي سفر جاد- قراءة فاحصة متدبرة، وإلا فليمسكوا ألسنتهم عن الخوض فيه؛ إذ لا يغني عن المرء قراءة فصل هنا أو هنالك، ولا يكفيه اعتصار المقدمة والخاتمة لإصدار حكم جازم. فلو كان الاجتزاء كافيا، لما أفنيت من عمري خمس سنوات في تسطير 550 صفحة.
ومن ثم، فإن القراءة العجولة المبتسرة لا تعدو كونها ضربا من ضروب التدليس. فإذا ما رام قارئ أن يدلي برأي يعتد به حول هذا الكتاب، فإنني أهيب به أن يستقصي قراءته بتمامها، وأن يمعن فيه النظر والتدبر قبل أن يرسل القول إرسالا؛ وإلا فإنه سيكون قد بخس نفسه حقها، وأساء إلى جمهرة القراء، وجار على جهدي هذا. وهي نصيحة تنسحب على سائر الكتب، وتصدق على كل مؤلف كائنا من كان.
المحاور: تقول في طرحك إن أهم ما يميز "الدستورية الإسلامية" أن الإمام لم يمتلك أبدا حق التشريع. كيف حدث ذلك؟ وما دلالته؟
ليستبين الجواب عن هذا السؤال الحصيف، أجد لزاما علي أن استهل حديثي بطرح جملة من التوطئات والمقدمات الجوهرية. أولاها: أن المبادئ الدستورية الأكثر تجذرا في الإسلام إنما تكمن في كنه شريعته وماهيتها؛ إذ تنصهر كافة الشؤون المتصلة بالحكم في مشكاة الشريعة، حتى لا تكاد تبين لها ذات مستقلة خارج حياضها. ومؤدى ذلك أن الشريعة، وإن استقامت قراءتها بوصفها منظومة فقهية وقضائية، فإنه يسعنا بالقدر ذاته من الجلاء أن نقرأها بوصفها بنية دستورية متكاملة من الأفكار والممارسات.
أما الركيزة الثانية التي ينبغي فهمها، فهي الفكرة المحورية الناظمة لمنظومة الحكم في الإسلام، وبيانها: أن الله جل وعلا قد فطر العالم على الحق، فجاء نسيج الكون محبوكا بتدبير إلهي قوامه العدل؛ وهو مفهوم يضرب بجذوره في أعماق التصور الإسلامي. ثم إن الله بعث إلى الأمم والشعوب -كاليهود والنصارى- شرائع شتى، رسمت لكل منهم معالم منهاجهم، وهدتهم سبل لزوم الصراط المستقيم، فكانت تلك الكتب والشرائع مرآة لعلم الله وميزان عدله.
"الشريعة، كما هي منظومة فقهية وقضائية، يمكننا أن نقرأها بوصفها بنية دستورية متكاملة من الأفكار والممارسات"
ومن بين تلك الرسالات، تنزل الوحي بالإسلام على العرب بلسان عربي مبين ليعقلوا عن الله خطابه "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" (سورة يوسف – الآية 2)، غير أن هذا التنزيل لم يأت ليعفي العقول من كد النظر، بل حثها على التدبر والاستبصار. ومع ذلك فإن العلم الإلهي عزيز المنال، إذ ينطوي طبقات لا حصر لها من العمق والجلال، لذا استوجب تأويلا بشريا ينهض على علوم راسخة في شتى الفنون، وفي مقدمتها علوم اللغة. ومن هنا أضحى (العلم) هو الجوهر والملاذ؛ إذ لا مطمع في فقه كلام الله بغير علم، ولا سبيل إلى نيل العلم إلا من بوابة اللغة، فلا علم لمن لا لسان له.
إن نيل (العلم) ممتنع إلا من مشكاة (العقل)، وهو الخصيصة التي فارق بها الإنسان سائر العجماوات، غير أن العقل في الرؤية الإسلامية ليس مجرد ملكة ذهنية، بل هو مرتهن بالقدرة على التفريق بين الصلاح والفساد. ومن ثم، لم تقف غاية العقل عند حدود إدراك كنه الوجود وموضع الإنسان من فلكه، بل غدا الدعامة التي لا يستقيم دونها تهذيب النفس، أو صياغة أي فكر أو فعل سياسي. فالعقل، متى استقام حده واستوفى شرطه، لم يكن إلا (عقلا أخلاقيا) بصورة حتمية.