play البث الحي play البث الحي

حفظ

الأمين العام السابق للناتو ينس ستولتنبرغ (يمين) والرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مقر حلف الناتو في بروكسل (شترستوك-أرشيف)أحمد مولاناPublished On 6/6/20266/6/2026

عادة ما يتبادل كبار المسؤولين الابتسامات أمام الكاميرات، ويتحدثون في المؤتمرات الصحفية عن تعزيز العلاقات، لكن في الكواليس تدور رحى ضغوط تصل أحيانا إلى الملاسنات. فقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأمين عام حلف شمال الأطلسي "الناتو" ورئيس وزراء النرويج السابق ينس ستولتنبرغ: "عليك العودة إلى السياسة النرويجية. سيكون ذلك أفضل للنرويج وحلف الناتو على حد سواء"، فأتاه رد ستولتنبرغ: "سأعود إلى أوسلو يوم عودتك أنت إلى السياسة المحلية في سانت بطرسبرغ"، وهي المدينة التي عمل بوتين في مكتب عمدتها منتصف تسعينيات القرن الماضي.

بعيدا عن لقاءات القادة، كثيرا ما نسمع عن حلف الناتو، والقمة السنوية لزعمائه، وطلبات البيت الأبيض لأعضاء الحلف بزيادة الإنفاق العسكري، أما المتخصصون فيتابعون تدريبات الناتو، وحجم انتشار قواته، وتوزيعها الجغرافي، ويدرسون العمليات التي نفذها في أفغانستان وليبيا وغيرهما، لكنهم قد يغفلون عن مجريات الأمور داخل الحلف.

هنا تبرز أهمية مذكرات ينس ستولتنبرغ أمين عام حلف الناتو السابق خلال الفترة بين عامي 2014-2024، والتي نشرها عام 2025 بعنوان "في عهدي: قيادة الناتو في زمن الحرب"، فهو يوضح فيها دور أمين عام الحلف، وطبيعة النقاشات والخلافات بين الدول الأعضاء، وأهم التحديات التي تواجه مسيرته، فضلا عن كواليس الحروب في أوكرانيا وأفغانستان، والمداولات الخاصة بهما، وكذلك تذبذبات العلاقة بينه وبين الرئيس الأمريكي ترمب.

في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2014، وصل ينس ستولتنبرغ الأمين العام الثالث عشر للحلف إلى مقر الناتو في بروكسل، وحين دخل مكتبه للمرة الأولى انبهر بالسجادة الزرقاء التي تغطي الأرض حاملة شعار الحلف، وظن أن الشعار يجسد نجمة فأشاد بجماله، لكن مدير المراسم نبهه قائلا: "سيدي هذه ليست نجمة، إنها بوصلة".

لم تكن تلك أولى المعلومات الجديدة التي عرفها ينس عن الناتو في مستهل قيادته للحلف، فسرعان ما عرف أيضا أن السجادة الحمراء لا تفرش داخل مقر الناتو، إنما تفرش سجادة ذات لون أزرق، لأنه اللون الذي يرمز إلى المحيط الأطلسي الذي يقبع الحلف على ضفتيه الأمريكية والأوروبية.

"السجادة الحمراء لا تفرش داخل مقر الناتو، إنما تفرش سجادة ذات لون أزرق في إشارة إلى المحيط الأطلسي"

أما المعلومة الثالثة، فتوضح كيف أثرت الأقدار وتفاعلات الأحداث على مسيرة الحلف. ففي أثناء زيارة ينس إلى القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، والذي يشغل في الوقت ذاته منصب قائد القيادة الأمريكية الأوروبية، في مقره بمدينة مونس، على بعد ساعة بالسيارة من بروكسل، شرح له القائد سبب وجود المقر في تلك المدينة تحديدا قائلا: "في عام 1966، قرر الرئيس الفرنسي ديغول طرد قوات الناتو والقوات الأمريكية من فرنسا، وكان مقرنا في باريس، فتوجهنا شمالا عبر الحدود إلى بلجيكا، وفي طريقنا وجدنا في مونس هذه القلعة الجميلة، فأقمنا بها".

أخذ ينس يتلمس طريقه بتلك المعلومات الرمزية إلى قيادة الحلف، وهو منصب بقي فيه 10 سنوات رغم أن فترة ولاية الأمين العام للناتو 4 سنوات فقط. فكيف وصل ستولتنبرغ إلى هذا المنصب الرفيع؟ ولماذا استمر في منصبه كل هذا الوقت؟

ولد ينس عام 1959 لزوجين من أعضاء حزب العمال الاشتراكي النرويجي، وكان والده يشغل منصب وزير الدفاع والخارجية في النرويج، كما خدم سفيرا لبلاده لدى الأمم المتحدة، في حين عملت والدته وزيرة دولة في وزارتي التجارة والصناعة، ومن ثم تشكل وعيه ضمن عائلة سياسية ناقشت الشأن العام يوميا على مائدة الطعام.

في شبابه، انضم ينس إلى منظمة الشباب التابعة لحزب العمال، وفي عام 1989 عمل باحثا في هيئة الإحصاء النرويجية، ثم شغل منصب وزير دولة في وزارة البيئة، قبل أن يخوض العمل البرلماني ويتدرج في هياكل حزب العمال، ثم يصبح زعيم الكتلة البرلمانية للحزب.

وصل ستولتنبرغ إلى قمة السياسة عام 2000 حين تولى رئاسة الوزراء للمرة الأولى. لكن هذه التجربة لم تدم طويلا؛ إذ خسر حزبه في الانتخابات البرلمانية لعام 2001، واضطر ينس إلى مغادرة المنصب بعد عامين ليس إلا. غير أن عودته إلى رأس السلطة جاءت أقوى عام 2006؛ إذ شغل منصب رئيس الوزراء مجددا لثماني سنوات متتالية، انتهت عام 2014.

بعد خروجه من رئاسة الحكومة، طرح اسم ستولتنبرغ كمرشح محتمل لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، خلفا لبان كي مون. وبحسب ما يذكر ينس، فقد حظي بدعم عدد من الدول، غير أن الغموض لف موقف الصين، على خلفية رفض الحكومة النرويجية في عهده الاعتذار عن منح جائزة نوبل للسلام إلى الناشط الصيني ليو شياوبو عام 2010، وهو ما أغلق مسار توليه المنصب الأممي.

"تسبب التحفظ الصيني في حرمان ستولتنبرغ من منصب الأمين العام للأمم المتحدة"

في الرابع من سبتمبر/أيلول 2013، حضر ستولتنبرغ في ستوكهولم بدعوة من رئيس الوزراء السويدي فريدريك راينفلت عشاء ضم قادة الدنمارك وفنلندا وآيسلندا والنرويج والسويد مع الرئيس الأمريكي أوباما، قبيل سفره إلى سانت بطرسبرغ للقاء الرئيس بوتين.

قبل العشاء، فاجأ أوباما ينس بإشارة إلى متابعته إحدى حيل حملته الانتخابية، حين تنكر في هيئة سائق سيارة أجرة في شوارع أوسلو ليستمع مباشرة إلى آراء المواطنين، ثم دعا أوباما الحاضرين إلى طرح حجج مضادة بشأن قراره المحتمل بتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري عقب استخدامه السلاح الكيميائي. وافقت رئيسة الوزراء الدنماركية على خيار القصف، في حين اتخذ ينس موقفا مغايرا، وحذر من أن قصف النظام السوري قد يجعله أخطر، فضلا عن غياب تفويض من مجلس الأمن.

وحين رد أوباما بأن انتظار الأمم المتحدة غير ممكن بسبب الفيتو الروسي، استعاد ينس حججه التي سبق أن طرحها قبيل غزو العراق عام 2003: احترام القانون الدولي ومنع الحرب إلا دفاعا عن النفس أو بتفويض أممي، ثم حذر من أن العمل العسكري خارج هذا الإطار سيقوض النظام الدولي. ورجح ينس أن أوباما ربما رآه "حمامة" في قضايا الأمن، لكنه علم لاحقا من مقربين من البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي رأى فيه شخصا متوازنا.

بعد عدة أيام من حفل العشاء، لمحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في مكالمة هاتفية إلى قرب شغور منصب الأمين العام للناتو مع مغادرة أندرس راسموسن في خريف 2014، مشيرة إلى صعوبة تعيين شخصين إسكندنافيين في المنصب ذاته على التوالي. ولكن سرعان ما تبين أن ميركل وأوباما بدآ التنسيق بشأن تولي ينس للمنصب، وتلقت وزيرة الدفاع النرويجية طلبا رسميا من واشنطن بترشيح ينس، مدعوما من ألمانيا وبولندا.

كان ينس خبيرا اقتصاديا يميل إلى الأرقام والجداول والرسوم البيانية، وعمل في السياسة الداخلية على قضايا مثل معاشات التقاعد وإصلاح القطاع العام، بينما ركزت مشاركاته الدولية على تحديات التغير المناخي وصحة الأطفال. ولم يكن الرجل يحبذ المفاوضات المطولة، والنقاشات المملة حول صياغة البيانات، لكنه رأى تقاربا بين فلسفة الناتو الجماعية والفكرة الاشتراكية الديمقراطية القائلة بأن العمل الجماعي يحقق نتائج أكثر مما يحققه العمل الفردي. وفي يوم 28 مارس/آذار 2014، أقنعت الولايات المتحدة وألمانيا جميع الدول الأعضاء بالحلف بدعم ترشيحه.

حين تسلم ينس منصبه على رأس الحلف الغربي، كان الناتو قد شهد سنوات من الانكماش بعد نهاية الحرب الباردة؛ فقد تقلص هيكله القيادي، وخفض عدد موظفيه المدنيين إلى النصف ليبلغ 13500 شخص. وفي حقبة انتشار الناتو في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان، أعيد تنظيمه لإدارة عمليات عسكرية خارج أوروبا، ومن ثم تراجعت الجيوش الأوروبية من حيث الجاهزية والقدرة القتالية في مواجهة الجيوش النظامية داخل أوروبا. وفي الوقت نفسه، لم يول الحلف اهتماما يذكر لتحديات آخذة في التشكل، مثل صعود الصين والأمن السيبراني. وجاء ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 ليكشف هذا الخلل. فبدأت عملية إعادة هيكلة الناتو وتسليحه وتحديثه، كي يتمكن من أداء مهمته الأساسية.

بالانتقال إلى داخل الناتو، يشرح ينس أهمية اجتماعات مجلس شمال الأطلسي، الهيئة العليا لصنع القرار في الحلف التي تتألف من سفراء الدول الأعضاء، وهي مسؤولة عن العمليات والمناورات العسكرية، ووضع المعايير الفنية للأسلحة والمعدات التي تمتلكها جيوش دول الناتو. فليس لدى الحلف جيش خاص به، بل يمتلك هيكل قيادة دائما يضم ضباطا عسكريين، وإذا وقعت أزمة، يمكن لكل دولة عضو في الحلف دمج جيشها وقواتها في هذا الهيكل. ولذا يولي الناتو أهمية للتدريبات على التشغيل البيني بين قوات أعضائه، وتطوير نظام قيادة وتحكم فعال، ووضع معايير عسكرية موحدة.

"هناك مهمتان رئيسيتان للأمين العام للناتو: قيادة الحلف كمنظمة إدارية ورئاسة اجتماعات مجلس شمال الأطلسي"

هناك مهمتان رئيسيتان للأمين العام للناتو: قيادة الحلف كمنظمة إدارية ورئاسة اجتماعات مجلس شمال الأطلسي. ويجتمع المجلس عدة مرات أسبوعيا على مستوى السفراء، وفي مرات أقل على مستوى وزراء الدفاع أو الخارجية، فضلا عن اجتماع قادة الدول الأعضاء خلال القمم السنوية. ويعمل الأمين العام ممثلا رئيسيا للحلف ومتحدثا رسميا باسمه في التواصل مع الحكومات وفي الشؤون العامة، كما يتلقى أسبوعيا إحاطة استخبارية من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

ويرشح الأمين العام من طرف الحكومات الأعضاء لفترة أولية مدتها أربع سنوات. وعادة ما يكون شخصية سياسية ذات خبرة في قيادة حكومة إحدى دول الناتو. ورغم أن القرار النهائي يبقى بيد الدول الأعضاء، فإن نفوذ الأمين العام لا يستهان به، إذ إن قيادة منظمة بهذا الحجم تتيح له وضع جدول الأعمال، وتهيئة المناخ السياسي لصنع القرار.

اصطحب ينس عددا من زملائه النرويجيين السابقين ليعملوا في مكتبه، أبرزهم سفير النرويج بالناتو الذي أصبح مديرا لمكتبه، ورئيسة قسم الاتصالات في مكتب رئيس الوزراء النرويجي لتعمل لديه مستشارة اتصالات، والمساعد العسكري السابق لوزيرة الدفاع ليعمل مساعدا عسكريا. وأوضح ينس دوافعه قائلا: "أظهرت لي فترة ولايتي كرئيس وزراء النرويج أهمية بناء علاقات مع مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين أثق بهم ثقة تامة. هذا النوع من الفريق المتماسك والوثيق منحني قوة أكبر في قيادة الناتو".