xwhatsapp-strokecopylinkباقات زهور وضعها معزون تكريما لذكرى هنري نوفاك خارج مركز شرطة في ساوثهامبتون (الفرنسية)عبد العظيم محمد عبد الرحيمPublished On 6/6/20266/6/2026
لم يعد مقتل الطالب البريطاني هنري نوفاك مجرد قضية جنائية تتعلق بجريمة قتل وقعت في أحد شوارع ساوثهامبتون، بل تحوّل خلال أيام إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام السياسي والاجتماعي في بريطانيا منذ سنوات.
فقد امتدت تداعيات الحادث من أروقة المحاكم البريطانية إلى البيت الأبيض ووزارة الخارجية في الولايات المتحدة، وأشعلت جدلاً حاداً وواسعاً تجاوز حدود الجريمة الجنائية لتفتح ملفات الهوية والهجرة وأداء الشرطة ودور وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج الغضب الشعبي.
تعود وقائع القضية إلى ليلة الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما كان الطالب هنري نوفاك، البالغ من العمر 18 عاما والمتحدر من منطقة تشافورد هاندرد بإقليم إسكس، يقضي ليلته مع زملائه في فريق كرة القدم بجامعة ساوثهامبتون، حيث كان يدرس في عامه الأول بتخصص المحاسبة والتمويل.
ووفقا لما نقله جيمي غريرسون، كبير مراسلي الأخبار في صحيفة الغارديان البريطانية، فإن نوفاك التقى في الطريق أثناء عودته للمنزل بمفرده قبل منتصف الليل بقليل بشخص يدعى فيكروم ديغوا (23 عاما).
وأوضحت الصحيفة أن نوفاك طُعن في تلك الليلة بخنجر قال ديغوا إن طائفة السيخ تستخدمه كأداة في طقوسها الدينية، مضيفا أنه كان يحمله كجزء من معتقده الديني.
ورغم أن القاضي أكد أن التفاصيل الكاملة للمواجهة لم يشهدها سوى الرجلين، فإنه خلص إلى أن ديغوا تعمد قتل نوفاك.
والد الضحية، مارك نوفاك، وصف معاملة الشرطة لابنه بأنها "لا إنسانية ومهينة"، لكنه شدد على أن الأسرة لا تريد أن تتحول وفاة هنري إلى أداة لإثارة "المزيد من الانقسام أو الكراهية أو التوتر"
غير أن أكثر ما أثار الصدمة لم يكن الجريمة نفسها، بل ما حدث بعدها. فشقيق الجاني اتصل بالشرطة مدعيا كذبا أن نوفاك نفذ هجوما ضده هو وشقيقه بدافع عنصري. وعندما وصلت الشرطة إلى المكان، قامت باعتقال نوفاك وتكبيل يديه بالأصفاد بينما كان ينزف ويلفظ أنفاسه الأخيرة متأثرا بجراحه.
وطبقا لتقرير الصحيفة، فقد أظهرت لقطات الكاميرات المثبتة على أجساد رجال الشرطة، التي نُشرت هذا الأسبوع، موجة غضب واسعة بعدما أظهرت الشاب المصاب وهو يردد أنه تعرض للطعن ويطلب سيارة إسعاف، بينما شكك بعض الضباط في روايته وتعاملوا معه باعتباره المعتدي لا الضحية.
ورغم أن والد الضحية، مارك نوفاك، وصف معاملة الشرطة لابنه بأنها "لا إنسانية ومهينة"، فإنه شدد على أن الأسرة لا تريد أن تتحول وفاة هنري إلى أداة لإثارة "المزيد من الانقسام أو الكراهية أو التوتر"، بل تأمل أن تساعد قصته في جعل الشوارع أكثر أمانا للجميع.
لكن الغارديان تقول إن هذه الدعوة لم تمنع القضية من الانفجار سياسياً، مضيفة أن عددا من الشخصيات اليمينية البريطانية تبنوا القضية باعتبارها دليلا على ما يسمونه "الشرطة ذات التعامل المزدوج"، وهو تعبير يشير إلى الاعتقاد بأن الشرطة تتعامل مع بعض فئات المجتمع أو القضايا بصرامة تختلف عن تعاملها مع فئات أخرى، وبأن البيض يتعرضون لتمييز مؤسسي داخل أجهزة الدولة.
ومن أبرز من تبنوا هذا الطرح الملياردير الأميركي إيلون ماسك، الذي نشر سلسلة من التعليقات على منصة "إكس"، وأعاد نشر آراء شخصيات من أقصى اليمين البريطاني، من بينها تومي روبنسون.
لكن التدخل الأكثر إثارة جاء من جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، فقد ذكرت صحيفة التايمز اللندنية في تقرير أنه انتقد مواقف النخب الأوروبية بحدة، متهما ما وصفه بـ"الغزو الجماعي للمهاجرين" بالتسبب في مقتل نوفاك.
وقال إن نوفاك "كان سيظل على قيد الحياة لو أن الأجيال الماضية من النخب الأوروبية وقفت ضد سياسات كراهية الذات والهجرة الجماعية".
ووصف فانس في منشور على منصة إكس مقتل هنري نوفاك بأنه "مثير للغضب"، وأن "هنري مات بالطريقة نفسها التي تموت بها حضارة ما: مهجورا، ومكبلا بالأصفاد من سلطات لم تثق به ولم تهتم لأمره، ومتَّهما بجريمة كراهية لم يرتكبها".
وفي أكثر تصريحاته إثارة للجدل، قال نائب الرئيس الأمريكي إن الرد المناسب على مثل هذه الجرائم هو "الغضب المشروع"، مضيفا أن نوفاك "لن يكون الأخير" إذا لم تتغير السياسات الحالية.
دي فانس دعا ستارمر إلى أن يقتدي بالإجراءات الصارمة التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمواجهة الهجرة غير النظامية
فقد رد رئيس الوزراء كير ستارمر باتهام فانس بمحاولة استغلال المأساة لإثارة الانقسام داخل المجتمع البريطاني، فيما وصفت الحكومة البريطانية تعليقات وزارة الخارجية الأمريكية بشأن "الشرطة ذات التعامل المزدوج" بأنها تدخل في الشؤون الداخلية غير مرغوب فيه.
كما انتقد وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي ما اعتبره "صورة كاريكاتورية عن بريطانيا"، داعياً إيلون ماسك إلى الكف عن التعليق على القضية.
وأفادت التايمز أن فانس دعا ستارمر إلى أن يقتدي بالإجراءات الصارمة التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمواجهة الهجرة غير النظامية، معتبرا أن هذا الأمر يقتضي "إرادة سياسية وقيادة"، وأن أي شيء بخلاف ذلك لا يعدو أن يكون تبريرا.
لكن الصحيفة ردت على هذه التصريحات بالقول إن فانس تجاهل حقيقة أن الجاني فيكروم ديغوا وُلد وترعرع في بريطانيا.
في المقابل، شنت مارينا هايد، كاتبة عمود الرأي في صحيفة الغارديان، هجوما لاذعا على نايجل فاراج زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، مشككة في دوافع تعاطفه ومحاولته التحدث باسم الشعب، ومتهمة إياه بالانتقائية السياسية في التعامل مع جرائم القتل التي تهز الرأي العام.
وقارنت هايد بين موقف فاراج من مقتل نوفاك وموقفه من جريمتين هزتا المجتمع البريطاني خلال العقد الماضي؛ الأولى هي مقتل نائبة البرلمان عن حزب العمال جو كوكس عام 2016 على يد متطرف يميني، والثانية مقتل الشابة سارة إيفيرارد عام 2021 على يد ضابط شرطة عامل.
ولفتت الكاتبة إلى أن فاراج اختفى لأيام بعد مقتل كوكس، وعندما ظهر ركز على الحفاظ على "زخم" حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وصرح لاحقا بأن النصر تحقق "دون إطلاق رصاصة واحدة".