xwhatsapp-strokecopylinkرسم فني لجدار من المجرات يمتد على مسافة تقدر بنحو مليار سنة ضوئية (مكتية سينس فوتو)هاني الضليعPublished On 6/5/20266/5/2026
لم تكن أعظم أسرار الكون بحاجة إلى تلسكوبات عملاقة في بدايتها، بل احتاجت فقط إلى هوائي راديوي في مختبرات "بيل" في عام 1964. هناك، كان العالمان "أرنو بنزياس" و"روبرت ويلسون" يطاردان "هسيسا" غامضا يملأ سماءهما.
ظنّا في البداية أن السبب هو "فضلات الحمام" التي لوثت الهوائي، لكن بعد تنظيفه بعناية، بقي الضجيج صامدا، آتيا من كل اتجاه في السماء بذات القوة.
هذا "الضجيج" لم يكن إلا إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (Cosmic Microwave Background – CMB)؛ الصدى الحراري الذي تنبأ به نظريا "جورج غاموف" في عام 1948.
لقد كان هذا الإشعاع هو اللحظة التي أصبح فيها الكون "شفافا" بعد 380 ألف سنة من الانفجار العظيم، حيث انطلقت الفوتونات (جسيمات الضوء) لأول مرة في فضاء كان قبل ذلك حساء معتما من الجسيمات.
وعندما جاءت الأقمار الصناعية الأحدث مثل "ويلكينسون- دبليو ماب" (WMAP) ثم "بلانك" (Planck) لم تكتفِ برصد هذا الضوء، بل رسمت له "خريطة حرارية" فائقة الدقة.
وقد كشفت هذه الخرائط عن تباينات طفيفة جدا في درجات الحرارة (تصل إلى أجزاء من المليون من الدرجة)، وهي التي وصفها العالم "آلان غوث" بأنها نتاج "تقلبات كمية" حدثت أثناء التضخم الكوني، لحظات ما بعد الانفجار العظيم.
فهذه البقع الملونة في الخريطة ليست مجرد تشويش حراري، بل هي "بذور الوجود" والمخطط الهندسي الأصلي؛ فالمناطق الأكثر كثافة (التي ظهرت كنقاط ساخنة) كانت هي العش الذي ستنحت فيه الجاذبية المجرات والعناقيد لاحقا، بينما المناطق الأقل كثافة كانت بذورا للفراغات الكونية الشاسعة.
وهكذا، تحول "ضجيج الحمام" إلى أثمن وثيقة تاريخية تخبرنا كيف تشكل نسيج الكون على مدار 13.8 مليار سنة.
لفهم كيف تحولت تلك التموجات إلى مجرات، لا بد من العودة إلى ألبرت أينشتاين. ففي نظريته للنسبية العامة، لم تعد الجاذبية قوة تقليدية، بل خاصية هندسية؛ فالكتلة والطاقة تقوّسان الزمكان، وهذا الانحناء يحدد حركة الأجسام.
لكن أينشتاين نفسه لم يتقبل فكرة الكون الديناميكي، رغم معادلاته التي كانت تشير إلى كون يتمدد أو ينكمش، فقام بإضافة "الثابت الكوني" ليوازن الصورة.
لاحقا، وبعد اكتشاف توسع الكون، وصف هذا التعديل بأنه "أكبر خطأ"، غير أن العلم عاد ليعيد إحياء هذا الثابت بوصفه تمثيلا لما نسميه اليوم الطاقة المظلمة.
بهذا المعنى، فإن النسبية العامة لا تشرح فقط حركة الكواكب، بل تضع الأساس لتشكل أكبر بنى الكون. فهي التي تسمح بفهم كيف تتحول تموجات صغيرة في الكثافة إلى هياكل تمتد لمليارات السنين الضوئية.
عندما بدأ العلماء بدراسة دوران المجرات، اكتشفوا مفارقة مفادها أن النجوم في أطراف المجرات تتحرك بسرعة لا تسمح ببقائها متماسكة لو كانت المادة المرئية فقط هي الموجودة. وكان الحل افتراض وجود المادة المظلمة، وهي مادة لا ترى لكنها تمارس جاذبية قوية.
تشكل هذه المادة نحو 27% من الكون، وهي التي بنت "الهياكل العظمية" التي تجمعت حولها المجرات. أما الثقوب السوداء، رغم غرابتها، فهي ليست هذه المادة، بل أجسام كثيفة من المادة العادية يمكن رصد تأثيراتها مباشرة.
في المقابل، هناك الطاقة المظلمة، التي تشكل نحو 68% من الكون، وهي القوة التي تدفع الفضاء نفسه إلى التمدد المتسارع. وهكذا نجد أنفسنا أمام صراع كوني مستمر، فالمادة المظلمة تبني، والطاقة المظلمة تباعد وتفكك. ومن هذا التوازن نشأت البنية الكبرى التي نراها اليوم.
لفهم "الجدار العظيم"، يجب البدء من اللبنات الأصغر وهي المجرات مثل مجرة درب التبانة، ثم العناقيد المجرية، ثم العناقيد المجرية الفائقة. لكن المفاجأة جاءت عندما رسم العلماء خرائط واسعة عبر "مشروع سلون الرقمي لمسح السماء" (Sloan Digital Sky Survey).
استغرق هذا المشروع أكثر من عقدين، واعتمد على قياس "الإزاحة نحو الأحمر" لتحويل الضوء إلى مسافة وزمن، وعندما جمعت البيانات ظهرت صورة مذهلة أن الكون ليس مبعثرا، بل منسوجا في الشبكة الكونية.
هذه الشبكة تتكون من خيوط تمتد عبر الكون، تلتقي في عقد كثيفة، وتفصلها فراغات هائلة، وتبدو الصورة كشبكة عنكبوت عملاقة أو خلايا عصبية. والأهم أن الأرض تظهر في مركز هذه الخرائط، ليس لأنها مركز الكون، بل لأننا نرصد من موقعنا، كما يحدث في أي خريطة محلية.
أما مفهوم "لانياكيا" (Laniakea) – خريطة الكون ذات الشعيرات – فيمثل نقلة في فهمنا لموقع مجرتنا داخل البنية الكونية الكبرى، إذ لم يعد ينظر إلى درب التبانة كجزء من تجمع مجري محدود، بل كعنصر داخل حوض جاذبي هائل يضم عشرات الآلاف من المجرات، تمتد حركتها جميعا ضمن تدفق واحد واسع.
هذا "الكيان" لا يمتلك حدودا صلبة، بل يعرف عبر حركة المجرات نفسها، التي تنجرف تحت تأثير الجاذبية نحو مناطق أكثر كثافة، وعلى رأسها ما يعرف بالجاذب العظيم (Great Attractor) وبهذا المعنى، فإن لانياكيا ليست بنية ساكنة، بل خريطة ديناميكية تظهر كيف تتحرك المادة في الكون على نطاقات تتجاوز مئات الملايين من السنين الضوئية.
وتكشف لانياكيا أن الكون ليس مجموعة من العناقيد المنفصلة، بل نظام تدفق مترابط يشبه شبكة أنهار كونية، حيث تتجمع المجرات في مسارات محددة ثم تنصهر في عقد جاذبية كبرى، قبل أن تتوزع في فراغات شاسعة.
وما يميز هذا النموذج أنه يضع مجرتنا في سياق حركة مستمرة لا مركز لها، حيث يبدو كل مراقب كأنه في مركز نظامه المحلي، بينما الحقيقة أن الجميع جزء من تيار كوني واحد.
وبهذا، تصبح لانياكيا حلقة أساسية لفهم العلاقة بين الجاذبية وبنية الشبكة الكونية الأوسع، كما تكشفها خرائط مثل "مسح مطياف الطاقة المظلمة-ديسي" (Dark Energy Spectroscopic Instrument DESI) الذي يظهر أن هذا التدفق ليس عشوائيا، بل نتيجة صراع طويل بين الجاذبية والطاقة المظلمة عبر عمر الكون.
عندما درس العلماء الشبكة بتفصيل أكبر، ظهرت لهم بنى ضخمة تعرف بالجدران العظمى، كجدار "سي إف إيه" العظيم (CfA2 Great Wall)، وجدار "سلون" العظيم (Sloan Great Wall)، ثم جدار "هرقل–الإكليل الشمالي" الهائل (Hercules–Corona Borealis Great Wall).