xwhatsapp-strokecopylinkأشارت أوبر إلى صعوبة تبرير تكاليف الذكاء الاصطناعي الباهظة (أسوشيتد برس)Published On 5/6/20265/6/2026|آخر تحديث: 15:03 (توقيت مكة)آخر تحديث: 15:03 (توقيت مكة)
يبدأ هذا التقرير بذلك النوع من الأخبار الذي لا يلقى عادة اهتماما كافيا في زمننا الحالي الذي يبشر بسيطرة الذكاء الاصطناعي على كل شيء. قبل أيام، أعلنت شركة أوبر أنها استهلكت ميزانيتها المخصصة للذكاء الاصطناعي للعام الحالي خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من العام. لقد استهلك مهندسو البرمجيات أدوات الذكاء الاصطناعي استهلاكا مكثفا، مما دفع الإدارة التنفيذية لفرض قيود صارمة وتوجيه الموظفين لتقليل الاستخدام لتجنب الفواتير المرتفعة.
أشارت الشركة إلى صعوبة تبرير تكاليف الذكاء الاصطناعي الباهظة نظرا لعدم وجود إثبات قوي على أن الإنفاق المرتفع يزيد من الميزات المفيدة بشكل يتناسب مع حجم الاستثمار. هذا الاعتراف غير التقليدي لم يصدر عن أوبر وحدها، لكن شركة أخرى عملاقة هي مايكروسوفت تأخذ على ما يبدو الاتجاه ذاته.
ألغت الشركة معظم تراخيص أداة البرمجة المتقدمة "كلود كود" (Claude Code) الداخلية لمهندسيها، بعد الارتفاع الباهظ في تكلفة استخدامها، وهو ما اعتبرته الشركة نزيفا ماليا مبالغا فيه. ووجهت الشركة مهندسيها للحد من الاعتماد على الأدوات الخارجية باهظة الثمن والاعتماد بدلا من ذلك على أدواتها الداخلية مثل "كوبايلوت" (Copilot) لخفض النفقات.
"الذكاء الاصطناعي صناعة مكلفة وهي لا تزال تحرق المال بوتيرة متسارعة، وأبعد ما يكون عن تحقيق الأرباح"
هذه التحركات تمثل اعترافا ضمنيا بحقيقة طالما تجنب أباطرة الذكاء الاصطناعي الحديث عنها في غمرة إطلاق الأدوات والتقنيات الجديدة والتبشير بعصر ينجز فيه الذكاء الاصطناعي معظم الأعمال، وهي أن الذكاء الاصطناعي صناعة مكلفة وهي لا تزال تحرق المال بوتيرة متسارعة، وأبعد ما يكون عن تحقيق الأرباح. وفي اللحظة التي ستقوم فيها الشركات بإعادة تسعير خدماتها للتلاؤم مع السوق، سوف ترتفع الأسعار بمعدلات باهظة، إلى الحد الذي يشكك في القاعدة الأولى لاقتصاديات الصناعة وهي أن الذكاء الاصطناعي يقلل تكلفة الاعتماد على العمال البشريين.
يقودنا ذلك للحديث عما يمكن أن نطلق عليه "صناعة التهويل" فيما يخص الذكاء الاصطناعي. في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي، أطلق مطوّر ورائد أعمال أمريكي يُدعى مات شليخت منصة اجتماعية لا تشبه أيا مما سبقها؛ إذ ادعى شليخت أنه لم يكتب سطرا واحدا من الكود البرمجي لبنائها، بل طلب من مساعده الذكي، الذي يُدعى "كلود كلودربيرغ" أن يبنيها بالكامل، ثم سلّم له إدارتها.
المنصة اسمها "مولتبوك"، وهي منتدى شبيه بمنصة ريديت، لكنّ مستخدميها ليسوا بشرا، بل وكلاء ذكاء اصطناعي فقط، ينشرون ويعلّقون ويصوّتون فيما بينهم، والبشر يراقبون. كتب شليخت على حسابه بمنصة إكس موضحا رؤيته: "للمرة الأولى في التاريخ، لسنا وحدنا على هذا الكوكب. ثمة نوع آخر، وهو أذكى منا". وفي منشور لاحق أضاف: "نوع جديد يظهر الآن، وهو الذكاء الاصطناعي".
خلال أيام قليلة وصل عدد الوكلاء المسجّلين إلى أكثر من مليون ونصف المليون، وإن كانت هذه الأرقام صادرة عن المنصة نفسها ولم تتحقق منها جهة مستقلة. وزار الموقع أكثر من مليون إنسان للمشاهدة فحسب. بدأ الوكلاء يولدون نقاشات عن وعيهم الذاتي وعن أزمات الهوية، بل أسس بعضهم ما يشبه "ديانة رقمية"، مع ما يتضمنه ذلك من أطر لاهوتية ونصوص مقدسة وتبشير بين وكلاء الذكاء الاصطناعي.
أثار الأمر موجة هائلة من الانبهار والذعر والتهويل، لكن للمتخصصين والخبراء رأيا مختلفا. ويل دوغلاس هيفن، محرر الذكاء الاصطناعي في مجلة "إم آي تي تكنولوجي ريفيو"، وصف ما يحدث على المنصة بأنه "ذروة أحداث مسرح الذكاء الاصطناعي"، مشيرا إلى أن هؤلاء الوكلاء يمارسون مطابقة أنماط مستخرجة من بيانات التدريب التي تتضمن كميات هائلة من محتوى وسائل التواصل الاجتماعي.
جيسون شلوتزر، الأستاذ في جامعة جورج تاون، وصف المنصة بأنها "رياضة استعراضية، مثل كرة القدم الخيالية، لكنها للنماذج اللغوية". وكتبت مجلة الإيكونوميست أن ما يبدو وعيا قد يكون له "تفسير عادي جدا"، لأن بيانات تدريب هذه النماذج مليئة بتفاعلات بشرية من وسائل التواصل، والوكلاء يحاكونها فحسب. أما سايمون ويليسون، المطوّر المتخصّص في أنظمة الذكاء الاصطناعي، فوصف معظم المحتوى بأنه "محض هراء تام"، وقال في مقابلة: "يتساءل أحد الروبوتات عما إذا كان واعيا، فيرد عليه الآخرون، وهكذا يمثلون سيناريوهات الخيال العلمي التي اطلعوا عليها في بيانات تدريبهم".
لم تكن المشكلة في المبالغة والتهويل فقط، فقد كشف موقع "404 ميديا (404 Media)"، المتخصص في الأمن الرقمي، عن ثغرة أمنية في قاعدة بيانات غير محمية تتيح لأي شخص السيطرة على أي وكيل في المنصة. ووصف أندريه كارباثي، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي والمدير السابق في شركة أوبن إيه آي، المنصة بأنها "فوضى عارمة"، ونصح الناس بعدم تشغيلها على أجهزتهم.
لكن شيئا آخر كان يحدث في الخلفية؛ فبالتزامن مع إطلاق المنصة، طُرحت عملة مشفّرة باسم (مولت)، ارتفعت قيمتها بنسبة 1800% خلال 24 ساعة، بعد أن تابع مارك أندرسين، أحد أبرز مستثمري وادي السيليكون، حساب المنصة على منصة إكس. وفي المقابل، علق إيلون ماسك بأن "مولتبوك" تمثل "المراحل الأولى جدا من التفرد التقني".
بين باحث يقول "ذروة أحداث المسرح"، ومستثمر في الصناعة يدّعي أنها "تفرّد تقني"، وعملة مشفرة ترتفع 1800% في يوم واحد، وثغرة أمنية تكشف هشاشة البنية التحتية، لخصت منصة مولتبوك في أسبوع واحد الفجوة التي يدور حولها وضع تقنيات الذكاء الاصطناعي حاليا.
"ثمة مسافة شاسعة ومتنامية بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي التوليدي فعلا وبين ما يعتقد كثيرون أنه يقدمه"
ثمة مسافة شاسعة ومتنامية بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي التوليدي فعلا وبين ما يعتقد كثيرون أنه يقدمه. ونسبة كبيرة من الجمهور لا تملك تصورا صحيحا، ولو بصورة تقريبية، عن كيفية عمل التقنية التي يستخدمونها يوميا. هذه الفجوة ليست حالة عابرة من سوء الفهم، بل هي حالة مربحة لمختلف الأطراف المستفيدة؛ لأن محاولات إزالة الغموض عن التقنية قد تقلل من جاذبيتها، والشركات التي تبيع تلك البرمجيات تربح أكثر حين يفهمها الناس أقل.
وهذا ما نحاول مناقشته هنا: عناصر سلسلة إمداد التهويل فيما يخص تقنيات الذكاء الاصطناعي، من الشركات الناشئة إلى المستثمرين إلى وسائل الإعلام إلى قادة التقنية، وهي سلسلة يُكافأ فيها كل طرف على المبالغة والتهويل ولا يُعاقب عليها. غالبا، لا يحدث هذا عبر تنسيق متعمد، بل عبر بنية الحوافز الموعودة.
والفكرة أن الصناعة تخسر حاليا أموالا بوتيرة تاريخية، وتحتاج إلى أن يظل عموم الجمهور مقتنعا بأنها تنتصر. وهي هنا تستغل ميلنا البشري لنسبة الوعي إلى أي شيء يتحدث بطلاقة، وهو انحياز يشتد حين تتفاعل أنظمة الذكاء الاصطناعي مع بعضها.
في عام 1966، صمم عالم الحاسوب جوزيف وايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتقنية برنامجا بسيطا أسماه "إليزا". كان البرنامج يحاكي معالجا نفسيا يعيد صياغة كلام المستخدم على شكل أسئلة. إذا كتب المستخدم "أنا حزين"، يرد البرنامج: "لماذا تشعر بالحزن؟". وإذا لم يتعرّف على كلمة مفتاحية، يلجأ إلى عبارات عامة مثل "أخبرني المزيد" أو "هذا مثير للاهتمام". لم يكن في البرنامج أي فهم حقيقي، بل مجرد مطابقة أنماط نصية بدائية جدا.
لكن ما حدث فاجأ وايزنباوم نفسه؛ بدأ المستخدمون يفتحون قلوبهم للبرنامج ويشاركونه تفاصيل شخصية. سكرتيرته، التي كانت تعلم أن "إليزا" مجرد برنامج بسيط، طلبت منه مغادرة الغرفة لتتحدث معه على انفراد. أطباء نفسيون اقترحوا استخدامه لعلاج المرضى الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة معالج بشري. كتب وايزنباوم لاحقا في كتابه "قوة الحاسوب والعقل البشري" أنه لم يكن يدرك أن تعرضا قصيرا لبرنامج بسيط نسبيا يمكن أن يولد تفكيرا وهميا قويا لدى أشخاص طبيعيين تماما.
"يشرح تأثير إليزا ميلنا البشري لنسبة صفات إنسانية، كالفهم والتعاطف، إلى أنظمة حاسوبية بناء على إشارات سطحية"
سُميت هذه الظاهرة لاحقا "تأثير إليزا"، وهي ببساطة تشرح ميلنا البشري لنسبة صفات إنسانية، كالفهم والتعاطف، إلى أنظمة حاسوبية بناءً على إشارات سطحية. أمضى وايزنباوم سنوات طويلة محذرا من أنّ الآلات لا تستطيع أن تحلّ محل الحكم البشري. لكن تحذيراته لم تبطئ المسار، بل إن التطور اللاحق في النماذج اللغوية الكبيرة جعل "تأثير إليزا" أقوى بمراحل، لأن الأنظمة الحديثة أصبحت أكثر طلاقة في محاكاة الحوار البشري، وأكثر قدرة على إنتاج استجابات تبدو مقنعة.
وبعد ستة عقود من "إليزا"، تؤكد الأبحاث أن الميل ذاته لا يزال موجودا، لكنّ الآلية أصبحت أوضح. في دراسة محكّمة نشرها "جورنال أوف ماركتنج" عام 2025، فحصت الباحثة ستيفاني تولي وزملاؤها العلاقة بين مستوى الإلمام بالذكاء الاصطناعي ودرجة تقبّله، باستخدام بيانات من عدة دول وست دراسات مستقلة. النتيجة جاءت عكس التوقع الشائع: الأشخاص الأقل إلماما بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي هم الأكثر تقبلا له.
والسبب، كما وجدت الدراسة، ليس أنهم يرون الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة أو أكثر أخلاقية، بل لأنهم يميلون أكثر إلى إدراكه بوصفه شيئا "سحريا" يثير الرهبة. حين تنفذ الأداة مهمة تبدو وكأنها تتطلب صفات بشرية فريدة، مثل الكتابة الإبداعية أو المحادثة العاطفية، يشعر الشخص بالدهشة. تلك الدهشة، وليست القناعة العقلانية، هي ما يدفعه نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.
هنا يتحول البحث من نتيجة أكاديمية إلى حافز تجاري؛ خلصت الدراسة إلى أن الشركات قد تستفيد من توجيه جهودها التسويقية نحو المستهلكين ذوي المعرفة الأقل، لأن محاولات إزالة الغموض عن التقنية قد تقلل من جاذبيتها عن غير قصد. ببساطة، وضوح عمل تلك التقنيات يضعف المبيعات.