play البث الحي play البث الحي أندريه كورتونوف
xwhatsapp-strokecopylinkقمة سابقة لدول حلف الناتو في وارسو (الجزيرة)
تتعدد السيناريوهات المحتملة لكيفية ومكان وظروف اندلاع صراع مباشر، وشامل بين دول الاتحاد الأوروبي وروسيا.
على سبيل المثال، قد يشعل الحصار الغربي المفروض على مقاطعة كالينينغراد، وما يتبعه من محاولات روسية لكسر هذا الحصار عبر ممر "سوالكي" -وهو جزء من الحدود بين ليتوانيا وبولندا-، فتيل هذا الصراع.
وقد تكون ذريعة الحرب عملية غربية للاستيلاء على سفن تابعة لـ"أسطول الظل" الروسي في مكان ما في بحر البلطيق بالقرب من مضيق الدانمارك، مما يستدعي ردا مضادا من السفن الحربية والغواصات الروسية.
كما لا يمكن استبعاد وقوع حادث بحري في الشمال، في جنوب بحر بارنتس، بالقرب من سبيتسبيرغن، أو في خطوط العرض القطبية الشمالية العليا.
وقد تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة في جمهورية ترانسنيستريا المعلنة من جانب واحد على الأراضي المولدوفية، وكذلك على امتداد جزء من الحدود البيلاروسية البولندية، أو البيلاروسية الليتوانية.
قد يكون سبب اندلاع نزاع ما، هو وصول طائرات معادية مسيرة بشكل غير متوقع، أو تصاعد النشاط السيبراني لأحد الأطراف، أو تعطل مفاجئ لمجموعات كبيرة من أقمار الاتصالات الفضائية.
إن قائمة الأسباب المحتملة لحرب كبرى لا يحدها إلا الخيال، فضلا عن وعي وخبرة المراقبين الذين يبحثون عن هذه الأسباب.
هناك عدد أقل بكثير من السيناريوهات التي تصف متى، وكيف يمكن أن تنتهي مثل هذه الحرب.
بطبيعة الحال، يأمل المرء أن يتبع التصعيد الأوّلي تهدئة سريعة، وأن يتفق الطرفان على وقف إطلاق النار بعد اندلاع الأعمال العدائية بفترة وجيزة، ثم على تسوية دبلوماسية للنزاع وإنشاء نظام أمني أوروبي جديد.
وتعلَّق بعض الآمال على الوساطة الخارجية، وبعثات حفظ السلام الدولية، وظهور حركات مناهضة للحرب داخل أوروبا نفسها.
مع ذلك، يدرك الجميع أنه في حرب أوروبية كبرى، ستكون المخاطر جسيمة للغاية بالنسبة لكل طرف، وبالتالي من غير المرجح أن يميلوا إلى اختزال مواجهتهم بـ"اختبار قوة" محدود ومحكم السيطرة.
إن إجبار أحد الطرفين على الاعتراف بالهزيمة سريعا وتقديم تنازلات كبيرة، فضلا عن الاستسلام، باسم السلام، سيكون أمرا بالغ الصعوبة. بل على العكس تماما، سيصر الطرف الخاسر في ساحة المعركة على تصعيد الموقف، حتى لو وصل به الأمر إلى استخدام أسلحته النووية.
بالتالي، فإن أبسط تبادل للضربات النووية سيؤدي حتما إلى سلسلة من ردود الفعل. إذ سيجبَر الطرفان على الرد على ضربات بعضهما البعض بشكل موسع، مما سيؤدي إلى تصعيد سريع للنزاع.
وسيجعل التصعيد السريع في حدة الهجمات المتبادلة من المستحيل احتواء النزاع ضمن حدود حرب نووية "محدودة"، وهذا يعني عشرات، وربما مئات الملايين من الضحايا، ودمارا كليا أو جزئيا للعديد من المدن الأوروبية، وتلوثا إشعاعيا طويل الأمد لأراض شاسعة، وتغيرا مناخيا جذريا، وأوبئة جماعية، وأزمة غذاء، وغيرها من العواقب الكارثية.
كما هو معروف، تنص المادة الخامسة الشهيرة من معاهدة شمال الأطلسي على أن أي هجوم مسلح على دولة أو أكثر من دول حلف شمال الأطلسي، يعتبر هجوما عليها جميعا، مما يجعل الانسحاب الأمريكي أمرا بالغ الصعوبة.
ولكن حتى بدون المادة الخامسة، التي يمكن لواشنطن تجاهلها تحت أي ذريعة مناسبة، فإن تجنب التدخل الأمريكي سيكون صعبا للغاية.
ويعود ذلك أساسا إلى امتلاك الولايات المتحدة بنية تحتية عسكرية ضخمة في أوروبا، تضم أكثر من 80 ألف جندي و50 منشأة عسكرية، بما في ذلك خمس قواعد للأسلحة النووية التكتيكية (ناهيك عن قاعدة إنجرليك الجوية في منطقة آسيا التابعة لتركيا).
في ظل هذه الظروف، يبدو تورط الولايات المتحدة في حرب نووية أوروبية أمرا حتميا، حتى لو حاول البيت الأبيض تبني موقف عدم التدخل في الشؤون الأوروبية.
لذا، فإن أي صدام تقليدي واسع النطاق بين روسيا وجيرانها الغربيين، بغض النظر عن السبب، سيؤدي، باحتمالية كبيرة، أولا إلى حرب نووية قارية، ثم إلى حرب نووية عالمية، مما سيؤدي إلى تدمير الحضارة الأوروبية كما نعرفها. هذا المنطق واضح جدا بحيث لا يمكن تجاهله أو إغفاله في أوروبا.
ومع ذلك، تتحدث العواصم الأوروبية اليوم باستمرار عن احتمال نشوب حرب تقليدية كبرى مع روسيا خلال السنوات القليلة المقبلة.
فلماذا كل هذا الحديث عن حرب وشيكة كبرى مع روسيا إذا كانت تعد بمثابة انتحار جماعي أوروبي؟
الإجابة البديهية هي أن الحديث عن الحرب ضروري؛ لتبرير الإنفاق المالي غير المسبوق على تعزيز القدرات العسكرية والصناعية العسكرية الأوروبية.
فبدون هذا التعزيز، يصبح الحديث عن تحقيق "الاستقلال الإستراتيجي" لأوروبا عن الولايات المتحدة وتحويل الاتحاد الأوروبي إلى مركز قوة عالمي متكامل، أمرا لا طائل منه.
بعبارة أخرى، يعد التهديد الحقيقي بحرب كبرى مع روسيا شرطا أساسيا لتحول أوروبا- التي كانت تدار من واشنطن- إلى قوة جيوسياسية مستقلة. فهل سينجح الاتحاد الأوروبي في تحقيق هذا التحول؟