play البث الحي play البث الحي

حفظ

الحرب على جنوب لبنان لم تكن ردّاً على حزب الله، بل تنفيذاً لخطة بدأت قبل سنوات من بناء نسخة من قرية لبنانية للتدريب، إلى تدمير تسعة جسور لعزل ما وراء الليطاني. (الجزيرة)وحدة التحقيقات الرقميةPublished On 6/5/20266/5/2026

في 19 مارس/آذار 2026، توجه فريق من قناة "روسيا اليوم" إلى جسر الكنايات  فوق نهر الليطاني في جنوب لبنان لتوثيق آثار غارة إسرائيلية أصابته في اليوم السابق بتدمير جزئي. وبينما كان المراسل البريطاني ستيف سويني يقدّم تقريره أمام الكاميرا، ضرب صاروخ إسرائيلي ثانٍ الجسر على بُعد أمتار قليلة منه. أصيب سويني والمصوّر علي رضا بشظايا، فيما دُمّر الجسر كليا. لم يكن هذا الاستهداف عشوائيا ولا لحظيا، بل كان حلقة في سلسلة بدأت قبلها بسبعة أيام من التخوم الشرقية للنهر، وانتهت بتدمير وإغلاق تسعة جسور ومعابر حيوية على امتداده.

تكشف الوقائع والبيانات الفضائية والميدانية التي جمعتها وحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة في هذا التحقيق أن ما قدمته تل أبيب باعتباره ردّ فعل على إطلاق حزب الله للصواريخ في 2 مارس/آذار 2026 كان في جوهره تنفيذا لخطة معدة مسبقا بدأ التدريب على مراحلها الأخيرة قبل أشهر من الحرب وأثناء الهدنة.

ظهرت ملامح الخطة في تسريبات صحفية قبل أن توثق تفاصيلها صور الأقمار الصناعية، من تدريب الوحدات الإسرائيلية ذاتها التي ستُقاتل في لبنان في منشأة بُنيت على أنقاض قرية سورية مهجرة في الجولان السوري المحتل، ثم عزل جنوب نهر الليطاني بتدمير جسوره، فالتقدم البري البطيء المدروس وتدمير ما يُسيطَر عليه، فيما يبدو نسخة "محسّنة" من نموذج غزة يتم تطبيقها شمالاً بوتيرة أسرع وخسائر أقل.

"ما قدمته تل أبيب باعتباره ردّ فعل على إطلاق حزب الله للصواريخ في 2 مارس/آذار 2026 كان في جوهره تنفيذا لخطة معدة مسبقا"

فبين وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 واندلاع القتال مجددا، لم تكن الهدنة سوى غطاء، فرغم توقف الحزب  عن عملياته، واصلت إسرائيل انتهاكاتها بشكل يومي عبر عمليات القصف الممنهجة والاغتيال ضد كوادر الحزب وكل من تتهمهم إسرائيل بالوقوف خلف استهداف قواتها. أما خلف الحدود مع جنوب لبنان، فلم تتوقف قطاعات الجيش الاسرائيلي عن التدرب على ما ستفعله حين يحين الوقت.

اعتمد هذا التحقيق على عدة مسارات في جمع المعلومات والتحقق منها وترتيبها وفق السياق الزمني للأحداث مع تحليلها لبناء صورة تقترب من الحقيقة، وقد كانت المقاطع المصورة التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الصحفيين أو مجموعات التليغرام اللبنانية أو من قبل الإعلام الحربي لحزب الله وحتى من قبل الجيش الإسرائيلي، أثر كبير في استكمال بناء صورة الأحداث من على الأرض.

أيضاً قمنا بتحليل صور الأقمار الصناعية من ثلاثة مصادر: صور "غوغل إيرث" الأرشيفية لتتبّع التطور الزمني لمنشأة زعورة، وصور من "بلانت لابس" للمقارنة بين سبتمبر/أيلول 2024 وسبتمبر/أيلول 2025، وبيانات القمر الراداري "سينتنيل -1″ (Sentinel-1) لرصد تدمير المباني.

وقد استُخدمت صور الرادار في هذا السياق لأن الإجراء الأمريكي المعروف بـ"تعديل كايل-بينغامان" يفرض قيودًا على نشر وتوفير صور الأقمار الصناعية البصرية عالية الدقة لمنطقة الشرق الأوسط، بما يشمل لبنان، بحجة اعتبارات أمنية. ونتيجة لذلك، تصبح الصور الرادارية التي لا تخضع لنفس القيود وتستطيع الرصد في مختلف الظروف الجوية -رغم ضعف دقتها في معظم الأحيان- خيارًا أساسيًا لتعويض هذا النقص في البيانات البصرية.

"يفرض تعديل كايل-بينغامان قيودا على نشر وتوفير صور الأقمار الصناعية عالية الدقة لمنطقة الشرق الأوسط، بما يشمل لبنان"

استندنا كذلك إلى المصادر الرسمية الإسرائيلية من بيانات موقع وزارة الدفاع ووزارة الخارجية الإسرائيلية ومنشورات الجيش الإسرائيلي على منصاته وتقارير صحف يديعوت أحرونوت وغيرها من الصحف العبرية، إضافة إلى مقاطع فيديو مفتوحة المصدر جرى التحقق منها ومطابقتها مع البيانات الجغرافية عبر صور غوغل إيرث وبلانت لابس. مع التأكيد على أن التعامل مع هذه المواد تم بحذر منهجي، نظرًا لرجحان تأثرها بسياقات إعلامية أو نفسية مرتبطة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية وهو ما استدعى التحقق المتقاطع مع مصادر وبيانات مستقلة قبل اعتماد أي استنتاجات.

وكذلك وثقت وحدة التحقيقات الرقمية استهداف تسعة جسور على نهر الليطاني، ستة منها تأكّد تدميرها كليا، وأحدها تدمر بشكل جزئي. ولم نتمكّن من التحقق المستقل من حجم الأضرار في الجسرين السابع والثامن اللذين أعلن الجيش الإسرائيلي استهدافهما في 7 أبريل/نيسان، نظراً لغياب صور مفتوحة المصدر بعد القصف.

على بُعد كيلومترات قليلة من خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان المحتل، عند الإحداثيات (33°12′59.83″N 35°42′41.16″E)، ترقد أنقاض قرية زعورة السورية المهجورة. هذه القرية التي كانت جزءا من النسيج الاجتماعي السوري قبل احتلالها عام 1967، تُركت للنسيان لعقود.

لكن في السابع من سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية رسمياً عن افتتاح منشأة تدريب جديدة في هذا الموقع، صُمّمت، وفق النص الرسمي، على شكل "قرية نموذجية في جنوب لبنان"، لتسمح للقوات الإسرائيلية بإجراء تدريبات بأحجام مختلفة من فرق المشاة تصل إلى عدة مجموعات قتالية في وقت واحد.

بُنيت المنشأة هندسياً لتشمل مبان بارتفاعات متدرّجة من منازل أرضية إلى عمارات بأربعة طوابق، وشبكة أنفاق واسعة، ومحاور قتالية معقدة، ومناطق تحاكي الأنقاض، وهي بيئة مصمّمة بدقة لمحاكاة الاشتباك في قرى جنوب لبنان. وكجزء مما وصفه الجيش الإسرائيلي بـ"استخلاص الدروس من العامين الماضيين"، لتدريب مقاتلي الجيش على دخول مناطق تعرّضت مسبقا للقصف ضمن سياسة الأرض المحروقة.

وبالبحث عن موقع المنشأة تحديدا، كشفت مقالات في صحيفة يديعوت أحرونوت وموقع كولا (Kula) أنها بُنيت على أنقاض القرية السورية المهجورة زعورة في شمال هضبة الجولان المحتل. كما أشارت التقارير إلى أن بناءها جاء بعد سنوات من الخطط والتأخيرات، حيث كان هناك مشروع سابق يُدعى "سنير" في نفس المكان تم تجميده سابقا.

يكشف تحليل وحدة التحقيقات الرقمية لصور الأقمار الصناعية الأرشيفية عبر غوغل إيرث أن أنقاض زعورة ظلّت مهمَلة تماماً حتى أكتوبر/تشرين الأول 2011. كان أول تغيير رُصد في مارس/آذار 2013 مع ظهور طرق ترابية جديدة تتّصل بالموقع.

بحلول أبريل/نيسان ومايو/أيار 2017 ظهرت منشآت إدارية مؤقتة وآليات هندسية، ثم اختفت. عادت الآليات في أكتوبر/تشرين الأول 2021 لتغيب مجددا خلال أسابيع. وفي أغسطس/آب 2022 بدأت أعمال هندسية أكثر انتظاما تظهر تعبيد طرق داخلية، وتحديد محاور بشكل واضح بحلول أغسطس/آب 2023.

لكن التحوّل الأكبر حدث خلال الاثني عشر شهرا بين سبتمبر/أيلول 2024 وسبتمبر/أيلول 2025. إذ توصلت وحدة التحقيقات الرقمية من خلال مقارنة صور بلانت لابس للتاريخين ذاتهما، مع تثبيت الفترة الموسمية لاستبعاد التغيّرات المناخية في التربة، إلى رصد تطوير هندسي هائل حوّل بقايا القرية المهجورة يشير إلى مُجمّع تدريب عسكري متكامل يحمل اسم "المجمّع التدريبي الشمالي" على خرائط بلانت لابس.

وبحسب تقرير يديعوت أحرونوت العبرية فإن منشأة التدريب التي أسمتها "لبنان الصغيرة" بُنيت خلال عامين "على حطام قرية زعورة". ويشرح التقرير أن منشأة التدريب تحاكي "قرية شيعية في جنوب لبنان" مع مبانٍ متعددة الطوابق، وأنفاق، وشبكة شوارع ضيقة.

وفق ما نشره موقع الجيش الإسرائيلي بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول 2025، تلقّت ثلاث مجموعات قتالية رئيسية التدريب في المنشأة هي اللواء السابع المدرّع التابع للفرقة 36، واللواء 401 المدرّع التابع للفرقة 162، وقوة الكوماندوز التابعة للفرقة 98. هدف التمرين كان -وفق النص الرسمي- "محاكاة قتال تكتيكي للسيطرة على المنشآت باستخدام قوات مدمجة من المشاة والمدرعات".

وفي مقال تفصيلي لاحق بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول 2025، كشف الإسرائيليون عن تدريب لواء الكوماندوز (الفرقة 98) على سيناريو محدد: "احتلال مُجمّع في قلب ريف لبنان" عبر هجوم متزامن على الأطراف والطرق الرئيسية، مع مراقبة القناصة عن كثب لتحديد التهديدات، والتنسيق المستمر بين قادة ناقلات الجنود المدرعة وقادة سرايا الكوماندوز بهدف "تطهير المنطقة" فوق وتحت الأرض.

لم يتوقّف الإعداد عند منشأة زعورة. ففي 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي عن اكتمال تمرين الفرقة 91 لمدة خمسة أيام على طول الحدود اللبنانية، فيما وُصف بأنه "الأكبر والأوسع منذ بداية الحرب".

وبحسب الجيش الإسرائيلي، فقد نُفّذ التمرين بالتعاون مع المركز الوطني للتدريب الأرضي، وعمل على تكييف سيناريوهات التدريب مع الوضع القائم في جنوب لبنان تحديداً، وشمل تهيئة القوات لسيناريوهات دفاعية متطرّفة والتحوّل السريع إلى عمليات هجومية، واختبار جاهزية استدعاء قوات الاحتياط، والتنسيق بين القوات البرية وسلاح الجو والبحرية، وتدريب وحدات اللوجستيات والطب على إجلاء الجرحى تحت النار.

وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تفقّد رئيس الأركان الجنرال إيال زامير منطقة الفرقة 210 في الجولان خلال تمرين مفاجئ للتعامل مع حادث طارئ، وأوصى بالحفاظ على الجاهزية العملياتية المتزايدة.