play البث الحي play البث الحي

حفظ

صورة جماعية للمشاركين في قمة يريفان أول أمس (أسوشيتد برس)أنس زكيPublished On 6/5/20266/5/2026

في منتصف فبراير/شباط الماضي، كان الأوروبيون ينتظرون ما ستقوله واشنطن عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، خصوصا وقد شهدت النسخة السابقة للمؤتمر هجوما أمريكيا على أوروبا وسياساتها.

ربما هدأ بالهم عندما استمعوا لنبرة روبيو الهادئة، ولعلهم سعدوا عندما سمعوه يقول إن مصير واشنطن يرتبط بأوروبا، وإن الأمريكيين سيظلون دائما أبناء أوروبا، لكن بقية خطابه جاءت وكأنه يكمل المعنى: نحن أبناء أوروبا ولكن بشروط الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترمب.

لكن في الحقيقة، يرجع تاريخ القلق الأوروبي إلى زمن بعيد، وللمفارقة فقد كان مرتبطا بزوال قلق أكبر مع انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر عام 1991 وما عناه ذلك من انتهاء الحرب الباردة التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بين معسكر شرقي يقوده الاتحاد السوفيتي ومعسكر غربي تقوده الولايات المتحدة.

ففي ذلك العقد الأخير من القرن العشرين، زال خطر الاتحاد السوفيتي وبدا أن وريثته روسيا لن تكون بنفس القدر من القوة والتهديد، لكن أوروبا بدأت تفكر في سؤال آخر وإن أجلت طرحه بشكل جدي وهو عن مستقبل القارة العجوز إذا قررت واشنطن التوقف عن حمايتها.

حديثنا اليوم يتركز عن أوروبا، بعد أن عرضنا في الموضوع الأول من الملف لشرارة الخلاف التي اندلعت بين الولايات المتحدة وألمانيا، ليتبقى لنا موضوع ثالث لاحق يتساءل عن موقف واشنطن، وعما إذا كانت راغبة حقا في الانفصال عن أوروبا، وهل ستخسر إن اختارت ذلك.

في الواقع فإن الحاجة الأوروبية للمظلة الأمريكية لم يكن فقط لمواجهة الخصم الشرقي سواء كان الاتحاد السوفيتي أو روسيا، حيث يظهر في خلفية الصورة أيضا ما لا ينساه الأوروبيون؛ تاريخ مؤلم حافل بالتنافس بل والصراع بين القوى الأوروبية التي تخشى عودة ذلك الماضي إذا تم فتح باب الإخلال بالتوازنات القائمة.

في هذا المشهد لعب ترمب دور البطولة كما فعل في مشاهد أخرى امتدت من إيران إلى فنزويلا، ولم تنج منها بقاع أخرى، منها الحليف الأوروبي العتيد.

في فترته الأولى التي بدأت سنواتها الأربع في يناير/كانون الثاني 2017، باغت ترمب حلفاءه بالهجوم، فوصف الاتحاد الأوروبي بأنه "عدو" تجاري، كما شكك في حلف شمال الأطلسي (ناتو) واعتبر أنه تجمع عفا عليه الزمن، فضلا عن تأييده لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

أما على صعيد القيادات، فقد نال ترمب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسخر من انخفاض شعبيته، وانتقد مستشارة ألمانيا آنذاك أنجيلا ميركل وادعى أنها تدمر بلادها.

وفي فترته الثانية، التي بدأت أوائل العام الماضي، ذهب ترمب إلى مستوى أبعد تجاه الحلفاء، ليضع العلاقة بين ضفتي الأطلسي أمام منعطف حاسم بعد عقود من تحالف شكّل العمود الفقري للنظام الدولي الغربي.

ما يؤكد خطورة الوضع، أن التوترات المتزايدة لا تعكس خلافات عابرة، بل تشير إلى تحولات بنيوية في أولويات الطرفين. وبينما تتحدث الخطابات الرسمية عن “قيم مشتركة”، تكشف الوقائع عن تباين متصاعد في المصالح والإستراتيجيات، يفرض على أوروبا إعادة التفكير في موقعها ودورها.

تم بناء التحالف الغربي على أنقاض الحرب العالمية الثانية التي وضعت أوزارها قبل 81 عاما، فقد خرجت أوروبا منها مدمرة اقتصاديا، ما فتح المجال أمام الولايات المتحدة لقيادة عملية إعادة الإعمار عبر خطة مارشال (1948–1952)، والتي ضخت نحو 13 مليار دولار لتسهم في إنعاش اقتصادات أوروبا الغربية وربطها بالمنظومة الأمريكية.

تزامن ذلك مع تطور عسكري تمثل في تأسيس حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949، والذي رسّخ التبعية الأمنية الأوروبية للولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. لكنه شكل على مدى العقود التالية مظلة دفاعية ضمنت استقرارا أوروبيا في ظل اصطفاف واضح خلف واشنطن.

البداية إذن لم تكن متكافئة، وتأثرت بموازين القوى الجديدة، فالولايات المتحدة حملت عبء الأمن والحماية، فيما كان على أوروبا التركيز على إعادة البناء والنمو الاقتصادي تحت المظلة الأمريكية.

استمر ذلك لأكثر من أربعة عقود، حتى انهار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات وبالتالي غياب العدو المشترك، وهو ما أفسح المجال لكي تطل بعض الخلافات برأسها.

ظهر ذلك خلال حرب العراق عام 2003 حيث أيدتها بريطانيا في حين عارضت ألمانيا وفرنسا التدخل الأمريكي، كما شهدت ملفات المناخ الكثير من التباين، وتكررت الخلافات التجارية بين الجانبين خصوصا مع وجود فائض في الميزان التجاري لصالح الاتحاد الأوروبي.

قد يبدو الأمر ظاهريا مرتبطا بخلافات شخصية محورها الرئيس الأمريكي ترمب وفي الجهة الأخرى قادة غربيون مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وأخيرا مستشار ألمانيا فريدريتش ميرتس..

لكن الواقع يسمح لنا بالإشارة إلى تحولات عميقة في الأولويات باعدت نسبيا بين الحليفين. ويمكننا الحديث في هذا الصدد عما يلي:

تشير الإستراتيجية الأمريكية في العقد الأخير إلى تركيز متزايد على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في سياق احتواء صعود الصين. هذا التحول يقلل من مركزية أوروبا في الحسابات الأمريكية، ويجعل التزامات واشنطن تجاه القارة أقل وضوحا من السابق.

لطالما انتقدت واشنطن انخفاض الإنفاق العسكري الأوروبي مقارنة بحجم اقتصاداتها، مطالبة بالوصول إلى 2% من الناتج المحلي ضمن حلف شمال الأطلسي. ورغم أن بعض الدول الأوروبية بدأت فعليا زيادة إنفاقها، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، فإن التباين لا يزال قائما حول طبيعة الالتزام وحدوده.

أدت سياسات أمريكية حديثة لدعم الصناعات المحلية، خصوصا في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا، إلى توتر مع أوروبا التي ترى في ذلك تهديدا لقدرتها التنافسية. كما تتصاعد المنافسة في قطاعات مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز سيادته التكنولوجية.

في ملفات عديدة أبرزها الصين وإيران، تميل أوروبا إلى تبني مواقف أكثر براغماتية، تراعي مصالحها التجارية، بينما تتبنى واشنطن سياسات أكثر صرامة. هذا التباين يعكس اختلافا في تعريف التهديدات والأولويات.

قسم المقابلات بالجزيرة نت تحدث مع أندريا ديسي الباحث في الشؤون الدولية بالمعهد الإيطالي، حيث أكد على أن الحرب على إيران كانت محطة مهمة على طريق الغضب الأوروبي من السياسات الأمريكية.

ويشرح ديسي ذلك قائلا إن أوروبا تعرضت للتهميش مرارا وتكرارا من قبل الولايات المتحدة حتى قبل إدارة ترمب، مضيفا أنه يعتقد أن الحرب الأخيرة هي على الأرجح القشة التي قصمت ظهر البعير حيث لم يعد الأوروبيون يثقون كثيرا في إدارة ترمب.