play البث الحي play البث الحي

حفظ

توافد لافت لعائلات من "فلسطينيي 48" إلى البلدة القديمة في نابلس الملقّبة بـ"دمشق الصغرى" (الجزيرة)محمد وتدPublished On 7/5/20267/5/2026

القدس المحتلة- مجرد السفر على امتداد الطريق المحاذي لحدود 4 يونيو/حزيران 1967، باتجاه شمال الضفة الغربية، تنكشف طبقات متراكمة من حصار تصاعد تاريخيا؛ حيث الكتل الإسمنتية المتتابعة، والحواجز العسكرية، وجدار يفصل الأرض والناس على جانبي الخط الأخضر.

هنا لم يعد التواصل الجغرافي على مرمى حجر بين الداخل الفلسطيني والضفة الغربية سوى ذكرى بعيدة، إذ تحول إلى رحلة طويلة ومعقدة، تُقاس بساعات من الطرق الالتفافية نحو نابلس أو طولكرم الأقرب إلى مناطق الداخل.

عند حاجز جبارة، جنوبي مدينة طولكرم، تبدأ الحكاية فعليا، حيث تعمل هذه النقطة العسكرية على مدار الساعة، لكنها لم تعد ثابتة الإيقاع كما كانت؛ فبحسب ظروف المرحلة، كثيرا ما يُغلق الحاجز أمام مركبات فلسطينيي الـ48، بينما يسمح بمرور مركبات المستوطنين الإسرائيليين، وعندها يتبدل معنى العبور من إجراء روتيني إلى تجربة مرتبطة بالقيود والانتظار.

على امتداد طريق جبارة المؤدي إلى شارع وادي الشعير شمال غرب مدينة نابلس، تتغير ملامح المشهد بسرعة؛ حيث تترامى القرى الفلسطينية، والخِرب التاريخية والأثرية، لكن الوصول إليها بات محكوما ببوابات عسكرية وكاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة.

أما الطرق الفرعية التي كانت تربط هذه القرى بالشارع الرئيسي، فأُغلقت تماما، لتصبح الحركة مقيدة، ولتغدو لوحة التسجيل الفلسطينية على المركبة سببا في ملاحقة قد تطول أو تتعثر.

في المقابل، تتسع على جانبي الطريق مظاهر مختلفة، منها لافتات ترويجية لمشاريع استيطانية، أبرزها في مستوطنة "أفني حيفتس" الدينية المقامة جنوب شرق طولكرم، إلى جانب حفريات وأعمال بنى تحتية تُعيد تشكيل المكان.

وعلى امتداد المسار، تظهر بؤر استيطانية وزراعية جديدة، من بينها "إلياهو"، الممتدة على تخوم خرب وقرى مثل جبارة وشوفة وسفارين وسمارة، وجميعها محاصرة بشبكة من البوابات والحواجز الإسرائيلية.

على هذا الامتداد، يرافق المسافر حضور واضح للتوسع الاستيطاني في محيط القرى، حيث تمتد المستوطنات والبؤر الجديدة على حساب أراضٍ قريبة من ما تُعرف بـ"قرى الكفريات" جنوبي طولكرم أيضا، في مشهد يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الجغرافيا اليومية، ويجعل التنقل بين طولكرم ونابلس تجربة تتجاوز كونها مجرد سفر لا يستغرق أكثر من نصف ساعة في الأحوال العادية، لتصبح خريطة من القيود المتداخلة.

الأعلام الإسرائيلية ترفع على مسارات متعددة، في محاولة لفرض حضور بصري دائم، فيما تتوسع البؤر العسكرية مع مواقع استيطانية تدريجيا، كما الحال في مستوطنة "عناب" التي تمددت على سفوح جبال "قرى الكفريات".

وفي مقطع آخر، تظهر بؤرة عسكرية قديمة تحولت إلى حي جديد يطل على طريق وادي الشعير الرابط بين طولكرم ونابلس. هنا، حتى المرور لا يخلو من مفارقات: مركبات فلسطينية محدودة تظهر على الطريق، كأنها استثناء داخل فضاء أوسع من السيطرة والتحكم الاحتلالي.

ومع الاقتراب من بلدة دير شرف في مدخل مدينة نابلس الغربي، يتكثف المشهد أكثر. هذا الطريق الحيوي بين نابلس وطولكرم بات محاطا بتوسع استيطاني جديد، من بينها بؤرة زراعية، وصولا إلى مستوطنة "شافي شومرون" المقامة على أراضي بلدات دير شرف وسبسطية وبرقة والناقورة.

هناك، تظلل الطرق شبكة معززة من كاميرات المراقبة والحواجز العسكرية، حتى يتحول "دوار دير شرف" المعروف إلى نقطة تقاطع لطرق لا تنتهي، وبداية مسارات معقّدة نحو نابلس وجنين شمالا.

ما إن تتجاوز دوار دير شرف باتجاه نابلس، حتى يتبدل الإيقاع، فالطريق التي أثقلتها الحواجز خلفك، تنفتح فجأة على مشهد أسرع، أخف، وكأنك تقترب من مساحة مختلفة تماما. دقائق قليلة، وتكون على مشارف المدينة، حيث يلفتك أولا ذلك الإحساس الهادئ؛ وداعة المكان، وبساطة الناس.

على امتداد شارع سمّي باسم الرئيس محمود عباس، تصطف مئات المحال التجارية على جانبي الطريق، كواجهة مفتوحة لاقتصاد المدينة. هنا تبدأ الحكاية فعليا؛ حافلات تحمل لوحات إسرائيلية، ومركبات بالمئات تقل عائلات من فلسطينيي الـ48، جميعهم يسابقون الوقت للوصول إلى قلب نابلس، التي كانت وما تزال محطة تجارة وترفيه لفلسطينيي شمال الضفة ولأبناء الداخل أيضا.

في حي رفيديا، وعلى طول شارع الرئيس الذي سمي بـ"الشهيد ياسر عرفات" تزدحم المطاعم والمقاهي والفنادق، وتصطف محال الألبسة وحلويات المدينة المشهورة، وتتوزع بإيقاع متناسق، تقدم تجربة تسوّق لا تشبه غيرها. فالأسعار هنا قد تكون أعلى من الأسواق الشعبية، لكنها تظل أقل بالنسبة لفلسطينيي الداخل (مناطق الـ48)، بينما تبقى جودة السلع والخدمات جزءا من المعادلة التي تجذب الزبائن.

تواصل السير، تعبر شارع سفيان، وسط المدينة، حيث تزدحم مواقف السيارات بحافلات ومركبات الوافدين، عند المجمع التجاري الشهير، وهنا تتفرع الخيارات؛ إما الاستمرار في نمط التسوق الحديث، أو التوجه نحو عمق المدينة، حيث الحكاية الأقدم.

ومع الانعطاف نحو شارع غرناطة ودوار الشهداء، تبدأ ملامح نابلس الأخرى بالظهور. البلدة القديمة، أو "دمشق الصغرى" كما يحلو للبعض تسميتها، تفتح أبوابها بأزقتها الضيقة وروائحها العتيقة، ويتباطأ الزمن، وتعلو التفاصيل: حجارة قديمة، حوانيت صغيرة، أصوات باعة، ووجوه تعرف المكان ويعرفها.

رغم ما يطالها من اقتحامات بين حين وآخر، لا تفقد البلدة القديمة روحها. تعود الحياة إليها مع كل زائر، مع كل عائلة تتجول في أزقتها، ومع كل لقاء يجمع فلسطينيي الضفة والداخل في مساحة واحدة. في هذا المكان، لا يكون التسوق مجرد غاية، بل تجربة كاملة؛ مزيج من التاريخ، والناس، والانتماء.

يقضي سعيد أبو راس برفقة أصدقائه محمد زيدان وهشام عباس رحلة تحمل شيئا من الحنين إلى ما قبل الحرب على غزة. كانت هذه الزيارات طقسا أسبوعيا ثابتا، يقضونها بين الأسواق والمطاعم وأزقة المدينة، هربا من ضغط العمل اليومي.

اليوم، يحاولون استعادة تلك التجربة. يتجولون بين معالم نابلس السياحية والتجارية، يقضون ساعات من "النقاهة" كما يصفونها، لكن المشهد لم يعد كما كان تماما، يلاحظون سريعا ارتفاع الأسعار، في تفاصيل صغيرة وكبيرة، من وجبات الطعام إلى السلع المعروضة في المحال.

ورغم ذلك، لا يبدو الأمر مفاجئا بالنسبة لهم. يربطون هذا الارتفاع بغلاء المعيشة وتداعيات الحرب، ويقرون بأن الأسعار تخضع في النهاية لمنطق العرض والطلب، لكنهم يشيرون أيضا إلى عامل آخر لا يقل أهمية: الجودة. فبالنسبة لهم، الفارق في السعر غالبا ما يقابله مستوى مختلف من الجودة، وهو ما يجعل التجربة مقبولة إلى حد ما.

يقول سعيد ورفاقه -للجزيرة نت- إن الغلاء بات يثقل الجميع، في الداخل كما في الضفة، ومع ذلك تبقى نابلس خيارا مفضلا، فحتى مع ارتفاع الأسعار، لا تزال أقل مقارنة بمثيلاتها المضاعفة في الداخل الفلسطيني، وهو ما يمنح هذه الرحلات سببا إضافيا للاستمرار، ولو بوتيرة مختلفة عما كانت عليه في السابق.

من باقة الغربية، البلدة الملاصقة لخط الرابع من يونيو/حزيران (بين الضفة الغربية والداخل)، حرص صلاح مصاروة على جعل رحلاته إلى نابلس وطولكرم جزءا من روتينه الأسبوعي. كانت المسافة قصيرة، والزيارة خفيفة، لا تتجاوز في أغلب الأحيان نصف ساعة من السفر، قبل أن يجد نفسه بين الأسواق والأقارب، لكن هذا الإيقاع انكسر مع السنين.

وبعد الحرب على غزة، انقطع مصاروة عن الضفة لأشهر طويلة. لم يكن القرار سهلا، خاصة وأن له أقارب في نابلس، لكن الطريق لم يعد كما كان. يروي كيف تحولت الرحلة إلى معاناة يومية مع الحواجز العسكرية، حيث يقف لساعات في طوابير الانتظار لعبور حاجز دير شرف، وقتٌ كفيل بأن يسلب الزيارة معناها.