xwhatsapp-strokecopylinkيواصل الكبد الدهني انتشاره بصمت ليصبح أحد أكثر الأمراض المزمنة شيوعا في عصرنا. (شترستوك)د. عبد الإله الرضوانيPublished On 6/6/20266/6/2026
تخيل أن تُشخَّص بمرض كبدي خطير رغم أنك لا تشرب الكحول بإفراط وتشعر بأنك في صحة جيدة. هذا السيناريو أصبح أكثر شيوعا مما يعتقد كثيرون، إذ يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من الكبد الدهني دون أن يشعروا بأي أعراض.
وبينما يتركز اهتمام الرأي العام على السرطان والسكري وأمراض القلب، يواصل الكبد الدهني انتشاره بصمت ليصبح أحد أكثر الأمراض المزمنة شيوعا في عصرنا.
ومع ذلك فإن الكبد الدهني من الأمراض التي يمكن في كثير من الحالات الوقاية منها أو حتى عكس مسارها إذا اكتُشفت مبكرا، وهو ما يجعل الوعي بها أكثر أهمية من أي وقت مضى.
يُعرف هذا المرض اليوم باسم "مرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب الاستقلاب (الأيض)" (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease – MASLD)، وهو الاسم الذي اعتمدته الهيئات العلمية الدولية حديثا ليحل محل التسمية السابقة "مرض الكبد الدهني غير الكحولي" (Non-Alcoholic Fatty Liver Disease – NAFLD).
وقد جاء هذا التغيير ليعكس فهما علميا أكثر دقة لطبيعة المرض، إذ إن المشكلة الأساسية لا تتمثل فقط في غياب استهلاك الكحول، بل في وجود اضطرابات استقلابية تلعب الدور المحوري في نشوء المرض وتطوره.
ويُعرَّف مرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب الاستقلاب بأنه وجود تشحم كبدي، أي تراكم غير طبيعي للدهون داخل الكبد. وعند فحص عينة نسيجية من الكبد (الخزعة)، يُشخَّص التشحم عادة عندما تحتوي أكثر من 5% من الخلايا الكبدية على قطرات دهنية.
ويحدث ذلك لدى أشخاص لا يعانون من استهلاك مفرط للكحول، ولا من التهاب كبدي فيروسي، ولا من أمراض كبدية أخرى معروفة يمكن أن تفسر هذا التراكم، كما لا يكون ناتجا عن أدوية معروفة بتسببها في تشحم الكبد.
بعبارة أخرى، فإن تشخيص المرض يتطلب وجود دليل على تراكم الدهون في الكبد مع استبعاد الأسباب الأخرى المعروفة لتشحم الكبد، ووجود عامل واحد على الأقل من عوامل الخطر الاستقلابية مثل السمنة، أو السكري من النوع الثاني، أو مقاومة الأنسولين، أو ارتفاع ضغط الدم، أو اضطرابات الدهون في الدم.
ورغم أن وجود كمية صغيرة من الدهون في الكبد أمر طبيعي، فإن تراكمها بشكل مفرط قد يؤدي إلى التهاب الكبد وتليفه، وفي الحالات المتقدمة قد يتطور الأمر إلى فشل كبدي أو سرطان الكبد.
تتجلى خطورة هذا المرض في أن معظم المصابين به لا يعلمون أنهم يعانون منه أصلا. الكبد من أكثر أعضاء الجسم قدرة على أداء وظائف معقدة ومتعددة. فهو ينظم عمليات الاستقلاب، ويعالج المغذيات القادمة من الطعام، ويخزن الطاقة، ويتخلص من السموم والمواد الضارة.
لكن هذا العضو يتميز أيضا بقدرة كبيرة على تحمل الضرر، إذ يمكن أن يتعرض لتلف تدريجي لسنوات طويلة قبل أن تظهر أي أعراض واضحة. ولهذا السبب يُطلق على الكبد الدهني أحيانا اسم المرض الصامت. فكثير من المرضى يكتشفون إصابتهم به مصادفة أثناء إجراء فحوصات للدم أو تصوير بالأمواج فوق الصوتية لأسباب لا علاقة لها بالكبد.
وتشير التقديرات العالمية إلى أن نحو شخص من كل أربعة بالغين (ثلاثة في بعض المناطق مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية) قد يكون مصابا بدرجة ما من الكبد الدهني، ما يجعله من أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشارا في العالم. وقد ساهمت الزيادة الكبيرة في معدلات السمنة والسكري من النوع الثاني وقلة النشاط البدني والأنماط الغذائية غير الصحية في تغذية هذه الموجة المتصاعدة من الإصابات.
ولا تقتصر خطورة الكبد الدهني على المضاعفات التي تصيب الكبد فحسب، بل تمتد إلى كونه أحد الأسباب الرئيسية لزراعة الكبد في العديد من دول العالم. فمع تراجع بعض أسباب أمراض الكبد التقليدية، مثل التهاب الكبد الفيروسي سي بفضل العلاجات الحديثة، يواصل عدد المرضى الذين يصلون إلى مراحل متقدمة من التليف والتشمع الناتجين عن الكبد الدهني الارتفاع.
وتشير دراسات حديثة إلى أن التهاب الكبد الدهني المرتبط باضطراب الاستقلاب (Metabolic Dysfunction-Associated Steatohepatitis – MASH) أصبح بالفعل من بين أكثر الأسباب شيوعا لزراعة الكبد في الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، ويتوقع الخبراء أن تزداد مساهمته في السنوات القادمة مع استمرار ارتفاع معدلات السمنة والسكري عالميا.
لكن الكبد الدهني ليس مجرد مرض يصيب الكبد فحسب. فالباحثون ينظرون إليه اليوم باعتباره أحد مظاهر الخلل الاستقلابي الذي يصيب الجسم بأكمله. فالمصابون بالكبد الدهني أكثر عرضة للإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض الكلى المزمنة وغيرها من الاضطرابات الاستقلابية.
بل إن أمراض القلب والأوعية الدموية تمثل السبب الرئيسي للوفاة لدى المصابين بالكبد الدهني، وهو ما يعكس الترابط الوثيق بين صحة الكبد وصحة الجسم بشكل عام.
يعود تراكم الدهون في الكبد إلى مجموعة معقدة من العوامل. فخلافا للاعتقاد الشائع، لا يحدث الكبد الدهني بسبب تناول الدهون الغذائية فقط. فعندما يصبح الجسم مقاوما للأنسولين، وهي حالة شائعة لدى المصابين بالسمنة والسكري، يبدأ الكبد في إنتاج المزيد من الدهون ويقل في الوقت نفسه تخلصه منها، فتتراكم تدريجيا داخل خلاياه. وتعد السمنة، خاصة تراكم الدهون الحشوية، من أهم عوامل الخطر.
المرض لا يقتصر على الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن. فقد يُصاب به بعض الأشخاص النحفاء نتيجة عوامل وراثية أو اضطرابات استقلابية أو تراكم الدهون حول الأعضاء الداخلية رغم مظهرهم الخارجي الطبيعي.
وتشير الدراسات إلى أن ما بين 10% و20% من المصابين بالكبد الدهني قد يكونون من ذوي الوزن الطبيعي، وهي ظاهرة تعرف أحيانا باسم الكبد الدهني لدى النحفاء. ولهذا السبب قد يُفاجأ بعض الأشخاص بتشخيص الكبد الدهني رغم أنهم لا يعانون من السمنة.
يعزى الارتفاع الكبير في معدلات الكبد الدهني إلى الزيادة العالمية في معدلات السمنة والسكري. فخلال العقود الأخيرة شهد العالم تغيرات جذرية في نمط الحياة والغذاء. فقد ارتفع استهلاك الأطعمة فائقة التصنيع والمشروبات السكرية والأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية، في حين تراجع النشاط البدني بشكل ملحوظ نتيجة التحول نحو أنماط حياة أكثر خمولا.
ومع استمرار هذه الاتجاهات أصبح الكبد الدهني أحد أبرز انعكاسات الأزمة الصحية العالمية المرتبطة بالسمنة واضطرابات الاستقلاب.
ولا تتشابه جميع حالات الكبد الدهني من حيث الخطورة. فبعض المرضى يعانون فقط من تراكم الدهون داخل الكبد دون حدوث أضرار كبيرة، بينما يتطور المرض لدى آخرين إلى مرحلة أكثر خطورة تُعرف باسم "التهاب الكبد الدهني المرتبط باضطراب الاستقلاب" (Metabolic Dysfunction-Associated Steatohepatitis – MASH)، وهو الاسم الجديد الذي حل محل التسمية السابقة "التهاب الكبد الدهني غير الكحولي" (Non-Alcoholic Steatohepatitis – NASH).
في هذه المرحلة تبدأ الخلايا الكبدية بالتعرض للالتهاب والتلف، ومع مرور الوقت قد يؤدي هذا الالتهاب المزمن إلى تليف الكبد، وهي عملية يُستبدل فيها النسيج الكبدي السليم تدريجيا بنسيج ندبي يفقد قدرته على أداء وظائفه الطبيعية.
وفي المراحل المتقدمة قد يتطور التليف إلى تشمع الكبد أو فشل كبدي أو سرطان الكبد. والمشكلة أن هذه التطورات قد تحدث ببطء شديد وعلى مدى سنوات أو حتى عقود دون أن يشعر المريض بشيء.