play البث الحي play البث الحي د. نافجة صباح الكواري

أستاذة مساعدة في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر.

ألسنة لهب ودخان تتصاعد من منشأة لتخزين النفط في إيران تعرضت لغارات إسرائيلية سابقة (أسوشيتد برس)

لا يمكن اختزال المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في كونها مجرد تتابع من الضربات العسكرية، أو موجات تصعيد متفرقة، فهي في جوهرها صراع عميق حول إعادة تعريف بنية النظام الإقليمي، ومنطق الأمن الذي سيحكمه على المدى الطويل.

وعليه، فإن ما يبدو كتصعيد متقطع يخفي في طياته عملية مستمرة لإعادة تشكيل قواعد القوة وتوزيعها في المنطقة.

ضمن هذا السياق، لا تدار المواجهة بمنطق الحسم العسكري التقليدي، بل بمنطق أكثر تعقيدا يقوم على التدرج، وإدارة الإيقاع، وإنتاج التأثير عبر الزمن، إذ ينخرط الفاعلون في أنماط محسوبة من الضغط، والتصعيد المنضبط، والتعطيل المنهجي، بما يهدف إلى إعادة تشكيل السلوك الإستراتيجي للخصم تدريجيا.

يعكس ذلك تحولا نوعيا في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث لم يعد النجاح يقاس بوضوح الانتصار، بل بقدرة الأطراف على إدارة الصراع بطريقة تراكمية تفضي إلى نتائج إستراتيجية مستدامة. ومن هذا المنطلق، لا ينظر إلى التصعيد باعتباره انحرافا ينبغي تجنبه، بل أداة يعاد توظيفها ضمن حسابات دقيقة لإنتاج التأثير.

تنبع القيمة التحليلية لهذه المقاربة من تجاوزها الأطر التقليدية التي تفسر الصراع من خلال ثنائية الردع أو توازن القوى. فهي تقترح قراءة أعمق تقوم على مفهوم الأمن طويل المدى، حيث لا تقتصر المواجهة على احتواء إيران، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة التي تتحرك ضمنها، وتعديل منطق سلوكها الإستراتيجي.

يبرز مفهوم الأمن طويل المدى بوصفه الإطار الأكثر قدرة على تفسير ديناميات التصعيد؛ إذ لا يقتصر على إدارة التهديدات الآنية، بل ينصرف إلى قدرة الدولة على الحفاظ على نفوذها واستقرارها عبر الزمن من خلال إعادة تشكيل بيئة التهديد وإدارة المخاطر بشكل تراكمي، هذا التحول ينقل التحليل من منطق الردع قصير المدى إلى منطق التحمل الإستراتيجي والتكيف المستمر، حيث تصبح القدرة على الاستمرار والتأثير عبر الزمن معيارا مركزيا للقوة.

وانطلاقا من إطار تحليلي رباعي الأبعاد يوفر قراءة متكاملة، فالـبعد البنيوي للصراع يكشف موقع الدولة ضمن النظامين الإقليمي والدولي، ويحدد القيود والفرص التي تتحرك ضمنها؛ بينما يفسر البعد الإستراتيجي كيفية تفاعل الفاعلين ضمن هذه القيود، ويوسع البعد الشامل نطاق التحليل ليشمل الأدوات المتعددة للقوة، في حين يركز البعد الديناميكي على إدارة الزمن والتكيف كعناصر حاسمة في إنتاج النتائج، أي لا يعود الصراع مجرد تفاعل عسكري، بل عملية معقدة لإعادة تشكيل القوة وتوزيعها عبر الزمن.

فيتبلور جوهر المواجهة حول الطموح الإيراني مقابل إعادة تشكيل التوازن الإقليمي، إذ تسعى إيران إلى ترسيخ موقع إقليمي مستدام عبر بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، تمنحها عمقا إستراتيجيا يمكنها من تجاوز قيود الجغرافيا السياسية المباشرة وتقليل تعرضها للمخاطر. ويعكس هذا التوجه محاولة واضحة لإعادة تموضعها من فاعل مقيد إلى قوة.

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن إستراتيجية مضادة تهدف إلى تعزيز التحالفات، وبناء توازنات مقابلة، وتقويض قدرة إيران على تحويل نفوذها إلى هيمنة مستقرة، وتندرج جهود دعم الشراكات مع دول الخليج، وتعطيل مسارات الاندماج الإقليمي الإيراني، ضمن مسعى أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية بما يحد من امتداد إيران.

ومن منظور الأمن طويل المدى، لا يختزل الرهان في نتائج آنية، بل يتمحور حول سؤال أكثر عمقا: هل تستطيع إيران ترسيخ نفسها كركيزة دائمة في النظام الإقليمي، أم ستعاد هندسة هذا النظام بطريقة تقيد حضورها وتعيد ضبط حدود قوتها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مآلات الصراع، بل ترسم أيضا ملامح توزيع القوة واستدامة النفوذ في المنطقة على المدى البعيد.

لا تدار المنافسة عبر المواجهة المباشرة بقدر ما تبنى على نماذج معقدة لتوزيع القوة وإدارة المخاطر، ويتأسس النموذج الإستراتيجي لإيران على ثلاث ركائز مترابطة: تجنب الانخراط في صدام مباشر واسع النطاق، والاعتماد على شبكات الوكلاء كأدوات للنفوذ، وتوزيع كلفة الصراع عبر ساحات متعددة.

يمنح هذا النهج إيران قدرة على التمدد الإقليمي مع الحفاظ على مستوى منخفض نسبيا من التعرض للردع المباشر، كما يوفر لها مرونة إستراتيجية تمكنها من المناورة ضمن بيئة عالية المخاطر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

غير أن هذا النموذج لم يعد يعمل دون تحد، إذ تتجه الإستراتيجية المضادة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل نحو تفكيك منطقه من الداخل، عبر تحويل ميزته الأساسية انخفاض التكلفة إلى نقطة ضعف، ويتم ذلك من خلال استهداف العقد المحورية داخل الشبكة الإيرانية، سواء على مستوى البنية التحتية، أو القيادات المرتبطة بجماعات الوكلاء، بما يهدف إلى تقويض فاعليتها التشغيلية.

وبالتوازي، تسعى هذه الإستراتيجية إلى تضييق المجال العملياتي للوكلاء، وتقليل قدرتهم على العمل كأدوات مرنة للنفوذ، الأمر الذي يحد من القيمة الإستراتيجية لهذا النموذج.

فالقضية لم تعد مجرد تبادل للضغط، بل محاولة لإعادة تعريف كيفية ممارسة القوة وحدود استخدامها. ومن منظور الأمن طويل المدى، يتمحور الرهان حول قدرة إيران على الحفاظ على نموذجها القائم على الحرب غير المباشرة منخفضة التكلفة، مقابل سعي الطرف المقابل إلى فرض معادلة جديدة ترفع الكلفة وتقيد الخيارات.

إن أي تحول في هذا التوازن لا يعني فقط تغيرا في التكتيكات، بل يشير إلى إعادة تشكيل أعمق في السلوك الإستراتيجي، وفي الطريقة التي تدار بها المنافسة على النفوذ في الإقليم.

قوة إيران لا يمكن اختزالها في بعدها العسكري أو في توظيفها شبكات الوكلاء فحسب، بل تتجلى في كونها نظاما مركبا ومترابطا تتداخل فيه الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، ضمن بنية واحدة متماسكة.

فسيطرتها النسبية على بعض مسارات العبور الحيوية، وتطويرها قدرات سيبرانية، كلها عناصر تشكل نموذجا لإسقاط القوة، يقوم على التعدد والتكامل لا على الأداة الواحدة، هذا الترابط هو ما يمنح الإستراتيجية الإيرانية قدرتها على الصمود والتكيف، ويجعل تأثيرها يتجاوز حدود المجال العسكري التقليدي.

في المقابل، لا تستهدف الإستراتيجية المضادة هذه المكونات بشكل منفصل، بل تسعى إلى تفكيك المنظومة ككل من خلال ضرب الروابط التي تمنحها فاعليتها.

فتعطيل التدفقات المالية، وتقييد الوصول إلى الموارد الحيوية، واستهداف البنية التحتية الداعمة بما في ذلك عبر الأدوات السيبرانية والضغوط الاقتصادية لا ينظر إليها كإجراءات منفصلة، بل كجزء من جهد منسق يهدف إلى تقويض التآزر الداخلي الذي يحافظ على تماسك هذه البنية.

وبهذا المعنى، تصبح العمليات غير العسكرية مكملة، بل أحيانا أكثر تأثيرا، من الأدوات العسكرية المباشرة.

تكمن القيمة التحليلية لهذا البعد في إبرازه منطق التعطيل المنهجي بوصفه ركيزة أساسية في إدارة الصراع، فالأمن طويل المدى لا يتحقق عبر إضعاف عناصر القوة بشكل منفرد، بل عبر تفكيك الشبكة التي تربطها وتمنحها القدرة على العمل كوحدة متماسكة.

وكلما ازداد تفكك هذا النظام، تراجعت قدرة إيران على تنسيق نفوذها عبر مجالات متعددة، ما يفرض عليها قيودا إستراتيجية.

ومن هنا، لا يدور الصراع حول من يمتلك أدوات القوة فحسب، بل حول من يستطيع إعادة تشكيل كيفية تفاعل هذه الأدوات، أو تعطيلها، عبر الزمن.