play البث الحي play البث الحي مدة الفيديو 48 دقيقة 15 ثانية play-arrow48:15لم تكن الحرب التي دارت بين دروز وموارنة لبنان عام 1983 نتيجة صراعات داخلية محضة، وإنما كانت فعلا إسرائيليا أمريكيا باركه الرئيس اللبناني الراحل أمين الجميل، حسب ما قاله الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

 

فهذه الحرب -كما قال وليد جنبلاط في شهادته على العصر مع أحمد منصور- كانت امتدادا لجراح قديمة بين الدروز والموارنة تعود إلى حرب الجبل الأولى التي وقعت عام 1860.

وكما كانت الحال في الحرب الأولى عندما تصارعت خمس قوى خارجية في لبنان، جرت الأمور في الحرب الثانية التي لعبت فيها القوى الخارجية دور البطولة، كما يقول جنبلاط.

ففي ذلك الوقت، كانت الخلافة العثمانية ضعيفة فلم تتمكن من السيطرة على الوضع بل إنها شاركت في بعض الأحداث، وتغاضت عن مجازر ارتكبها المسلمون، بما فيها مجزرة دمشق، التي يقول جنبلاط إنها "كانت صدى لما يجري في جبل لبنان"، مؤكدا أن الأمير عبد القادر الجزائري "حمى آلاف المسيحيين في بيته بدمشق آنذاك".

أما الحرب الثانية التي خاضها دروز لبنان ضد قوات حزب الكتائب بقيادة سمير جعجع، فسبقتها العديد من الأمور التي قال جنبلاط إنها مهدت الأرض أمام المواجهة.

فقد احتل الإسرائيليون جزءا من جبل لبنان في يونيو/حزيران 1982. وبعدها بثلاثة أيام، أرسل الرئيس أمين الجميِّل قوات الكتائب بقيادة جعجع، فتمركزت قرب قوات الاحتلال بحجة حماية المسيحيين.

في الوقت نفسه، لعب الصراع بين الاتحاد السوفيتي- سوريا من جهة والولايات المتحدة- إسرائيل من جهة، دورا في إذكاء نار هذه الحرب. وإلى حد ما، لعب الفرنسيون والبريطانيون دورا أيضا، وفق ما قاله الزعيم الدرزي.

ولا يذكر جعجع العدد الدقيق لقوات الجانبين لكنه يقول إن مقاتلي الدروز لم يتجاوزوا 10 آلاف أبدا، إلى جانب الحلفاء الذين قاتلوا إلى جانبه، وهم:

وميدانيا، كانت الحرب تدور بين الدروز المدعومين من دمشق والموارنة المدعومين من تل أبيب وواشنطن، والذين كانوا في حدود 2500 مقاتل حسب شهادات تاريخية، وانضم لهم جزء من الجيش اللبناني.

ومثَّل الدروز قوة النار الأساسية طيلة هذه الحرب التي اعترف جنبلاط بوقوع مجازر وتدمير ممنهج خلالها، وعندما وصلت إلى المعركة الأخيرة (معركة بحمدون)، طلبوا دبابات من السوريين لمواجهة الدبابات التي كانت يمتلكها جعجع.

ولم يقدم السوريون دبابات لجعجع، لكنهم طلبوا من أحمد جبريل القيام بالأمر فزودهم بدبابتين أو ثلاث، كان يقودها مقاتلون من الفصائل الفلسطينية، حسب شهادة جنبلاط.

وبدأت المناوشات بين الدروز والموارنة عام 1982 ثم اتخذت طابعا طائفيا، ووصلت إلى المواجهة سنة 1983 مدفوعة بعوامل خارجية أيضا منها التحالف السوري السوفيتي في مواجهة الأمريكي الإسرائيلي.

وخلال فترة المناوشات، شكَّل الجانبان لجنة مصالحة لتهدئة الأمور وعقدوا الكثير من الاجتماعات، لكن الإسرائيليين كانوا يحرضون هذا وذاك، حتى أحدثوا ما وصفها جنبلاط بالفتنة الكبرى.

فآنذاك، كان الإسرائيليون والأمريكيون يريدون إيصال الجيش اللبناني إلى منطقة صفورة التي كانت خاضعة لسيطرة السوريين، حتى يصوروا الوضع على أنه مواجهة بين سوريا ولبنان كبلدين، ودعمهما في هذا الرئيس أمين الجميِّل، كما يقول جعجع.

لذلك، كان تسليح الدروز الأساسي يصلهم من سوريا عبر الجبل، وكانت إسرائيل تسلح الأرمن وبعض من وصفهم جنبلاط بالموتورين من الدروز أيضا، لكي يقتتل الجميع.

لكن ميل الكفة بوضوح لصالح القوات السورية في لبنان دفع إسرائيل لسحب قواتها تدريجيا من جبل لبنان، وترك الموارنة المتحالفين معها لمصيرهم، حسب جنبلاط، الذي قال إنه قرر بالتشاور مع دمشق شن هجوم على جعجع وقواته في بحمدون.

وبالفعل، هاجم الدروز جعجع بعد انسحاب الإسرائيليين، وقد قاوم ببسالة لمدة 3 أيام، حسب شهادة جنبلاط، قبل أن ينسحب إلى دير القمر مع قواته والمدنيين الموارنة "الذين لم يكونوا يدركون حجم المصيبة".

وبعد أيام، تمكن سمير جعجع من الفرار تاركا قواته محاصرة في دير القمر، الذي قال جنبلاط إنه رفض الهجوم عليه حتى لا تتكرر المجزرة التي ارتكبها الدروز ضد الموارنة في نفس المكان خلال القرن السادس عشر.

ولم تتمكن قوات جعجع من مغادرة الدير إلا تحت حماية القوات الإسرائيلية، في حين قام الصليب الأحمر بإخلاء المدنيين، وفق جنبلاط، الذي اعترف بوقوع مجازر وتدمير وتخريب ممنهج في بحمدون، داعيا الجميع لـ"الاعتراف مثله بما فعل".

ووصل الأمر أن تدخل البطريرك هزيم -بطريرك الروم الأرثوذكس في أنطاكيا والمشرق- لدفن الجثث، التي قال جنبلاط إنها كانت ملقاة في الشوارع"، مضيفا "هذه هي الحرب الأهلية".

ففي تلك اللحظات، لم يكن ممكنا لأحد السيطرة على جمهور الدروز الذي "صُدم بالقوات الغريبة التي أرسلها أمين الجميِّل بقيادة جعجع إلى الجبل الذي لا يعرفونه، فكان طبيعيا أن يلقوا هذا المصير"، وفق تعبير جنبلاط.

وفي جزء آخر من شهادته، تحدث الزعيم الدرزي عن الدور الذي لعبه حافظ الأسد في إعادة ضبط الموازين العسكرية لحلفائه (كدروز لبنان)، مع العرب والعالم بعد وصوله إلى حكم سوريا.

فمن خلال علاقته بالسوفييت، ساهم الأسد في توفير دعم عسكري كبير لجنبلاط، الذي قال إن حافظ الأسد "كان يدير العلاقات بمنطق الجواهرجي"، مضيفا أنه كان حريصا جدا على علاقته بالسعودية وفي الوقت نفسه صنع توازنا معينا مع إيران.

كما اعترض الأسد على رغبة قادته العسكريين في استهداف البارجة الأمريكية نيوجيرسي رغم أنه كان قادرا على ذلك ويملك الصواريخ اللازمة، لأنه "لم يرد تحدي الولايات المتحدة بهذه الطريقة المباشرة"، حسب وليد جنبلاط، الذي قال إنه "ربما كان مصيبا في هذا القرار".

المصدر: الجزيرة