play البث الحي play البث الحي د. خالد الجابر
xwhatsapp-strokecopylinkشعار مجلس التعاون لدول الخليج العربية (الجزيرة)
بعد أربعة عقود ونصف العقد على تأسيسه، يقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية أمام لحظة تاريخية لا تقل حساسية عن تلك التي أفضت إلى ميلاده عام 1981.
فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحولت إلى صراع بنيوي عميق يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط بأكمله.
وفي قلب هذه التحولات، تجد دول الخليج نفسها تحت ضغوط مركبة تطال أمنها الإستراتيجي واقتصاداتها المفتوحة ومسارات تجارتها العالمية، وتضع في الوقت ذاته صلابة تحالفاتها الدولية أمام اختبار غير مسبوق من حيث الحجم والتعقيد.
تكمن مفصلية هذه اللحظة ليس فقط في مستوى التهديدات، بل في طبيعة الخيارات المطروحة أمام المجلس.
فلم يعد السؤال متعلقا بتحسينات تدريجية أو تطوير مؤسسي محدود، بل بات اختبارا وجوديا واضح المعالم: إما الانتقال نحو تكامل إستراتيجي عميق يوازي حجم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، أو البقاء ضمن نموذج تنسيقي مرن قد يفقد قدرته على الاستجابة في عالم لم يعد يمنح المترددين وقتا إضافيا.
لفهم موقع مجلس التعاون اليوم، لا بد من العودة إلى ظروف نشأته الأولى. فقد جاء تأسيسه استجابة مباشرة لزلزالين إقليميين متزامنين: الثورة الإيرانية عام 1979 بما حملته من خطاب ثوري عابر للحدود، والحرب العراقية-الإيرانية عام 1980 التي نقلت الصراع إلى تخوم الخليج.
عندها تشكل إدراك جماعي بأن الأمن لم يعد مسألة وطنية منفردة، بل قضية إقليمية تتطلب إطارا سياسيا وأمنيا مشتركا.
غير أن المجلس لم يبنَ في الأصل كمشروع اندماجي كامل على غرار التجارب الأوروبية، بل كصيغة براغماتية لإدارة التعايش بين ست دول تتشارك الجغرافيا والمصالح الإستراتيجية والعمق الثقافي، لكنها تختلف في أولوياتها السياسية ونماذجها الاقتصادية وتصوراتها لمصادر الخطر.
ومنذ البداية، تمحور التحدي حول معادلة حساسة: كيف يمكن تعميق التعاون دون تقويض السيادة الوطنية؟ وكيف يمكن احتواء الخلافات البينية قبل أن تتحول إلى شروخ إستراتيجية؟
لهذا ظل مجلس التعاون، عبر عقوده الماضية، أقرب إلى "نظام توازن إقليمي" منه إلى اتحاد متكامل. فقد هيمن التنسيق السياسي والاقتصادي على مسيرته، بينما بقيت المشاريع التكاملية الكبرى، مثل الاتحاد الجمركي أو العملة الموحدة، تواجه تعقيدات كثيرة.
الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران مثلت اختبارا مزدوجا للمجلس: اختبار القدرة على الصمود، والعمل الجماعي.
فقد كشفت الهجمات المتكررة التي استهدفت البنى التحتية الحيوية والممرات البحرية عن حدود الاعتماد على الدبلوماسية وحدها أو على التنسيق السياسي غير المؤسسي.
ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي الخليجية حققت نسب اعتراض مرتفعة تجاوزت 98٪ من الصواريخ والطائرات المسيرة، فإن الأضرار التي وقعت أثبتت أن النجاح الدفاعي الجزئي لا يلغي خطورة التحديات الواقعة على البنية الأمنية عندما تعمل كل دولة بصورة منفردة.
إن غياب منظومة دفاعية خليجية موحدة يحول كل دولة إلى جبهة مستقلة، بدل أن تكون جزءا من كتلة ردع إقليمية متماسكة.
وفي عصر الحروب متعددة المجالات؛ الصاروخية والسيبرانية والاقتصادية، لم يعد الأمن قابلا للتجزئة، بل أصبح شبكة مترابطة يتوقف ضعف أحد أطرافها على قوة الجميع.
في المقابل، أوجدت هذه الحرب محفزا استثنائيا للتقارب الخليجي لم توفره سنوات طويلة من المبادرات السياسية والقمم الدورية. فالتشابك العميق في مصالح دول المجلس بات أوضح من أي وقت مضى: أمن الطاقة، حماية البنية التحتية الحيوية، استقرار سلاسل الإمداد العالمية، والحفاظ على ثقة الأسواق الدولية في الخليج باعتباره مركزا آمنا للاستثمار والتجارة.
وعندما يصل التهديد المشترك إلى هذا المستوى من الكثافة، فإنه غالبا ما ينجح في دفع الدول نحو قرارات تاريخية عجزت عنها الحسابات التقليدية.
بهذا المعنى، لا تمثل الحرب مجرد أزمة أمنية عابرة، بل لحظة كاشفة لمستقبل مجلس التعاون نفسه: هل يتحول إلى كتلة إستراتيجية قادرة على صناعة التوازن الإقليمي، أم يبقى إطارا تنسيقيا ناجحا في زمن الاستقرار، لكنه محدود الفاعلية في زمن العواصف الكبرى؟
تتجاوز فكرة "التكامل العضوي" في سياق مجلس التعاون لدول الخليج العربية حدود تعميق التعاون أو توسيع نطاق التنسيق التقليدي، ضمن إطار إقليمي أوسع، فالمطلوب لم يعد مجرد تطوير البنية التحتية أو توقيع اتفاقيات، بل تأسيس بنية فوق-وطنية (supranational) تتيح اعتمادا متبادلا مستداما، حيث تصبح سياسات الطاقة والدفاع والتجارة امتدادات لوظيفة إقليمية موحدة، لا خيارات دفاعية منفصلة.
لم يعد يقتصر أمن الطاقة على حماية المنشآت أو تأمين صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، بل أصبح معادلة جيوسياسية تتعلق بإعادة توزيع نقاط القوة الجغرافية.
إن تطوير ممرات تصدير بديلة نحو بحر العرب والبحر الأحمر لا يهدف فقط إلى تفادي الاختناقات البحرية، بل يعيد تشكيل القدرة الإستراتيجية للخصوم على ممارسة الضغط.
في هذا السياق، يتحول الخليج من منطقة عبور رخوة إلى شبكة طاقة متعددة المنافذ، حيث يتيح التكامل بين خطوط الأنابيب والموانئ الحد من إشكالات كل دولة بمقدار اندماجها في المنظومة الإقليمية. ومن ثم، يعاد تعريف الردع الإقليمي بحيث لا تؤدي تعطيلات جزئية إلى شل النظام بأكمله.
بالنسبة للموانئ والمناطق الحرة في الخليج فإن متطلبات المرحلة الحالية تستلزم الانتقال من منطق "التكرار التنافسي" إلى منطق "التكامل الوظيفي". أي أن تتخصص الموانئ، وتربط بشبكات سكك حديدية عابرة للحدود، وتدار كوحدة موحدة توزع المهام وفق خطط مشتركة، بدل أن تكررها كل دولة على نحو مستقل.
بهذا يتحول الربط السككي إلى أداة لإعادة توزيع القيمة الاقتصادية داخل الإقليم، حيث تصبح سلاسل الإمداد شبكة متكاملة قادرة على امتصاص الصدمات العالمية، ويصبح التفاوض الاقتصادي العالمي جزءا من قوة جماعية مترابطة، لا مجرد قوة منفردة لكل دولة.