play البث الحي play البث الحي

حفظ

الجامعات العربية في ذيل التصنيف العالمي (الجزيرة)Published On 20/4/202620/4/2026

يعاني الإنتاج العلمي العربي المنشور باللغة العربية في المجلات الأكاديمية من تهميش معرفي وحضاري وإجحاف واضح داخل منظومة القياس العالمية، ولا سيما في المؤشرات الغربية المعتمدة مثل سكوبس (Scopus).

ويعود هذا التهميش والإجحاف، في جوهره، إلى غياب قواعد بيانات ومؤشرات قياس عربية تعكس الحجم الحقيقي لهذا الإنتاج العربي وتأثيره العلمي، الأمر الذي أدى إلى إقصائه عن أنظمة التصنيف العالمية، وبخاصة تلك المرتبطة بتصنيف الجامعات.

وقد ترتب على هذا الواقع فقدان الجامعات العربية والباحثين العرب احتساب جزء جوهري من إنتاجهم العلمي، ليبقى في دائرة "المعرفة أو الإنتاج غير المرئي"، ليشكل صورة دونية للوجود العلمي العربي، مما يكرّس نمطا من التبعية المعرفية لقياسات الآخر الغربي.

ومن هنا برزت الحاجة الملحّة إلى مؤشرات عربية أصيلة تراعي الخصوصية اللغوية والحضارية، وتقيس الإنتاج العلمي العربي بصورة عادلة ومنهجية، بما يسهم في إعادة الاعتبار له على المستويين العلمي والحضاري، وتشكل ضرورة علمية عربية، خاصة أن واقع النظام الحالي للنشر العلمي (الأكاديمي) عالميا، كما يشير تقرير جامعة كامبريدج حول مستقبل النشر العلمي الذي صدر عام 2025، يعاني اختلالات في العدالة والحوافز، ويوجد خطر في اتساع الفجوة المعرفية عالميا بسبب ذلك، ولا يدعم التعدد اللغوي والنماذج المجتمعية للنشر[1].

ومن ثم، كان لا بد من ظهور مؤشرات علمية عربية مثل معامل التأثير والاستشهادات المرجعية العربي "آرسيف" (Arcif) قبل عشر سنوات بوصفه أحد أبرز المشاريع العلمية العربية الأصيلة، التي بُنيت وفق رؤية منهجية واضحة، ومعايير ومعادلات متوافقة مع المعايير العالمية، مع مراعاة خصوصية اللغة العربية وطبيعة النشر العلمي في المنطقة.

يمثل هذا المشروع مبادرة حضارية وعلمية تهدف إلى سد فجوة القياس، وتقديم بديل علمي للمؤشرات الغربية التي لا تعترف بالإنتاج العلمي المنشور باللغة العربية أو على الأقل لا تقيسه على نحو منصف. وأصبح مؤشر "آرسيف" المقياس الأبرز لتصنيف المجلات العلمية العربية وقياس أهميتها العلمية[2]، بما يسهم في تطوير البحث العلمي العربي، وتعزيز أثره الأكاديمي، ودعم مسارات التنمية المستدامة في المنطقة العربية.

أسهم "آرسيف" بصورة فاعلة في نقل الإنتاج العلمي العربي المنشور باللغة العربية من حالة الإنتاج "غير المرئي"، أو "التهميش" إلى فضاء "الوجود المرئي" القابل للقياس والتحليل، وأتاح إبراز حجم هذا الإنتاج وتأثيره الحقيقي في عالم المعرفة. كما أعاد الاعتبار للإنتاج العلمي الصادر عن الجامعات العربية والباحثين العرب، والمنشور باللغة العربية، ضمن منظومة القياس الأكاديمي.

وتسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على تداعيات الاعتماد على قياس المؤشرات الغربية، مقابل تجاهل أو شبه غياب الاعتماد على المؤشرات العربية الأصيلة، وما نتج عن ذلك من تهميش الوجود المعرفي العربي و"الأثر البحثي" له، وتأثيره سلبا بشكل كبير على مكانة الجامعات العربية في التصنيفات العالمية. وحجم الإجحاف هذا الذي تعرض له "الأثر البحثي" للدول العربية وأهميته، بالإضافة إلى دوره جزءا من مكونات القوة الناعمة للدول العربية.

إن البيانات التي تعتمد عليها هذه المقالة حول الإنتاج العلمي العربي مصدرها التقارير السنوية العشرة التي توفرها قاعدة معامل التأثير "آرسيف" والتي توفر حجما ضخما وفريدا من البيانات، من حيث الكم والنوع، على المستويين العربي والعالمي.

تقدم قاعدة آرسيف صورة شاملة عن واقع واتجاهات الإنتاج العلمي العربي المنشور باللغة العربية، سواء على مستوى المجلات العلمية، أو الباحثين والمؤلفين، أو الجامعات والمؤسسات البحثية، فضلا عن رصد تطور البحث العلمي في الدول العربية. وقد أسهم ذلك في ترسيخ مكانة "آرسيف" كمؤشر علمي رصين ومعتمد لقياس الأثر البحثي، وتصنيف الباحثين والجامعات العربية.

تشير بيانات قاعدة بيانات "معرفة" للمحتوى الأكاديمي العربي، وهي الجهة المؤسسة لقاعدة بيانات معامل "آرسيف"، إلى أن نحو 71%  من الإنتاج العلمي العربي منشور باللغة العربية، في دوريات علمية عربية، يبلغ عددها أكثر من 5000  دورية عربية، وهو إنتاج لم تحظَ غالبيته بالتمثيل العادل في قواعد البيانات العالمية. فعلى سبيل المثال، نسبة الدوريات العربية التي تنشر باللغة العربية والمدرجة في تقرير مؤشر سكوبس لعام 2025 أقل من 2% من إجمالي هذه الدوريات[3].

وتعتمد تقارير "آرسيف" على قاعدة بيانات فريدة عالميا تضم أكثر من خمسة آلاف دورية علمية عربية، ويجري قياس أثرها العلمي واستشهاداتها وفق منهجية دقيقة وأكثر واقعية وعدالة من مؤشرات الآخر الغربي. كما شملت  مجموع تقارير "آرسيف"  تحليل ما يزيد على 960.000  مقالة عربية علمية، ومراجعة بيانات نحو 364.000  مؤلف عربي في مختلف التخصصات، إضافة إلى توثيق وتحليل أكثر من 26  مليون مرجع واستشهاد علمي. [4]

وتؤكد هذه المؤشرات أن معامل التأثير "آرسيف" لا يمثل مجرد أداة تصنيف وقياس، بل مشروعا معرفيا استراتيجيا يعيد صياغة صورة الإنتاج العلمي العربي، ويعزز حضوره، ويدعم مكانة الجامعات العربية ضمن منظومة البحث العلمي العالمية.

من جانب آخر، وفي ظل التنافس العالمي المتزايد بين الجامعات، والذي تعكسه تصنيفات الجامعات من خلال هيئات دولية من أشهرها التايمز للتعليم العالي (THE) وكيو إس (QS) -وما لهذا التنافس والتصنيفات من أثر مباشر على السمعة الأكاديمية للجامعات- مما يبرز تساؤلا جوهريا حول مدى عدالة هذه التصنيفات في تمثيل الأداء البحثي الحقيقي للجامعات العربية.

لقد دأبت هيئتا التايمز وكيو إس على الاعتماد على قواعد بيانات مؤشر سكوبس (Scopus)، بوصفه موردا أو مصدرا أساسيا لبيانات قياس الإنتاج البحثي والاستشهادات العلمية. غير أن هذا الاعتماد الأحادي أفرز ظلما منهجيا واضحا بحق الدول والجامعات العربية، يتمثل في التهميش شبه الكامل للأبحاث المنشورة باللغة العربية، رغم أهميتها العلمية، وتأثيرها المعرفي، وارتباطها المباشر بقضايا التنمية والمجتمع.

وتشير إحدى الدراسات التي أعدها الباحث[5]، إلى أن "المؤشرات التي يصنعها الآخر (الغربي)، هي التي تحدد ما هو المقبول وما هو غير المقبول، ماذا يجب أن ينتج وما لا يجب أن ينتج علميا، وبأي لغة وضمن أي ثقافة، وما هي القضايا والمواضيع التي يجب العمل عليها، ومن هو المتميز عالميا وفق ما أقرره أو أصنفه "أنا الغربي"، بغض النظر عن اختلاف الموارد والإمكانيات، والاعتبارات الثقافية والمعتقدات، والاحتياجات التنموية، وغير ذلك.

وفي المقابل فإن التركيز المبالغ فيه، لدى معظم الجامعات العربية، واشتراط النشر العلمي في أوعية النشر للآخر (الغربي)، وبلغة الآخر (الإنجليزية خاصة)، بهدف الحصول على قياس أو تصنيف مرتفع، ومرتبة عليا لدى مؤشرات الآخر (الغربي)، في مجال المؤشرات الآتية:

معامل تأثير المجلات الغربية، سكوبس (Scopus)، وويب أوف ساينس (Web of Science)، والصادرة بلغة ومؤسسات الآخر (الغربي).  تصنيف الجامعات العالمية والإقليمية، من خلال مؤسسات تصنيف الآخر (الغربي)، مثل: التايمز  THE، وكيو إس  (QS)، وغيرهما.

إن هذا التركيز المبالغ فيه أو "الهوس" من قبل الكثير من الجامعات العربية، يدفع الإنتاج العلمي العربي إلى ثلاث إشكاليات خطرة، هي[6]:

1- إشكالية التهميش والدونية: ويقصد بها تهميش وإقصاء الإنتاج العلمي، المنشور باللغة العربية، من مؤشرات الآخر (الغربي)، على صعيد مؤشرات البحث العلمي والاستشهادات (Citation)، ضمن معايير تصنيف الجامعات العالمية؛ فهو لا يحسب تقريبا  قيمته إلا ما كتب بلغة الآخر.  وبالتالي تفقد الجامعات العربية قيمة أوزان ما تنتجه من أبحاث علمية باللغة العربية، ولا يحسب في رصيدها في التصنيف العالمي للجامعات. ويشكل هذا الإقصاء عاملا في وضع الجامعات العربية في مرتبة دونية؛ لعدم احتساب قيمة الإنتاج العلمي باللغة العربية الخاص بالجامعة.

2- إشكالية "الاحتكار" و"التحكم" في أولويات البحث العلمي العربي:

أيضا، وفي إطار ممارسة عملية التحكم والسيطرة في قياس الإنتاج العلمي والمعرفي، من خلال مؤشرات منظومة الآخر (الغربي)، سواء في تصنيف الجامعات، أو في  قياس النشر  الصادر بلغة الآخر، فإن منظومة مؤشراته أصبحت تمارس دورا محوريا في تحديد اتجاهات البحث العلمي العربي، من حيث تحديد القضايا والأولويات البحثية العلمية، التي يمكن نشرها كمخرجات للبحث العلمي في العالم العربي. حيث لن يجد الباحثون العرب فرصا  لتقييم البحث والنشر في أوعية النشر للآخر (المجلات الغربية)، إلا وفق الاهتمامات والأجندة البحثية للمجلات الغربية أو الأجنبية، وليس وفق الأولويات والقضايا البحثية الخاصة بالتنمية المحلية أو الوطنية للدول العربية.

تتلخص أو تتمثل هذه الإشكالية في أن الكثير من الجامعات العربية تركز على "القوة أو الشكل الاستعراضي" لمفهوم التأثير أو الأثر، حيث يكون الاهتمام منصبا على "مظاهر القوة" أو "مظاهر التأثير"، أكثر من الاهتمام بفعالية الأثر ونوعية وحجم التأثير والعمران الحضاري، والتغيير التنموي للمجتمع على أرض الواقع، وغالبا ما يتم الاهتمام بمظاهر التأثير "الاستعراضية": مثل "الأكبر"، "الأعلى"، "الأضخم"، "الأكثر".. إلخ.

فالكثير من الجامعات العربية، تعطي الأولوية للتأثير "الاستعراضي"، بدلا من تركيزها على التأثير/ الأثر الذي يحدث تغييرا نهضويا وتنمويا في مجتمعاتنا العربية. فليس كافيا أن تحصل الجامعات العربية على مراتب عليا ضمن تصنيف الجامعات العالمية والإقليمية، وإنما الأهم كيف يمكن أن تكون عاملا فعالا ومؤثرا، على المستوى العربي والوطني -المحلي ثم الدولي، في إحداث النهضة والعمران.