xwhatsapp-strokecopylinkمدة الفيديو 14 دقيقة 16 ثانية play-arrow14:16أحمد حافظ ويسرى العكلوكPublished On 7/5/20267/5/2026
حين أصيبت والدة "فاطمة عقل" بحروق من الدرجة الثانية داخل خيمة نزوح، وقفت طالبة الطب في مستواها الأول عاجزة ولا تملك أدنى معرفة طبية تساعدها في التعامل مع إصابة أمها في ذلك الوقت.
وتقول فاطمة للجزيرة نت "كنت أقف عاجزة، لا أعرف ما الذي يجب أن أقوم به". غير أن تلك اللحظة لم تنته عند حدود الحادثة، بل تحوّلت إلى شعور مستمر بالندم والألم معا، دفعها لاحقا للبحث عن أي فرصة تتيح لها تعلم الأساسيات الطبية.
وسرعان ما وجدت فاطمة ضالتها في تدريب متخصص أقيم داخل مجمع ناصر الطبي بدعم من أكاديمية تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا (بالميد)، وركز على الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي.
وقصة فاطمة تمثل نموذجا عاما لاحتياج حقيقي يتكرر يوميا في قطاع يتهاوى فيه النظام الصحي تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية، حيث تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى استشهاد نحو 1700 من الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي منذ شنت إسرائيل حرب الإبادة الجماعية على القطاع في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حسب بيانات وزارة الصحة في غزة.
وفي مقابلات مختلفة مع مسؤولي مبادرة تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا لإنقاذ التعليم الطبي في قطاع غزة من الانهيار الكامل، قال مسؤولو أكاديمية "بالميد" بالتجمع إن المبادرة عندما طرحت في أبريل/نيسان 2024 استهدفت 2500 طالب طب من جامعتي الأزهر والإسلامية، ونجحت خلال عام واحد في تخريج أكثر من 613 طبيبا انخرطوا فورا في خدمة المنظومة الصحية بالقطاع.
وتُعد أكاديمية "بالميد" الذراع التعليمية لتجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا، وتأسست عام 2022 بهدف رفع مستوى الرعاية الصحية للفلسطينيين من خلال التعليم والتدريب، وتعمل على توفير مواد تعليمية وبرامج تدريبية متقدمة بالتعاون مع جامعات ومؤسسات دولية مختلفة.
ويمثل إطلاق المبادرة إدراكا مبكرا بأن تدمير البنية التعليمية في غزة يمثّل تهديدا وجوديا لمستقبل القطاع الصحي بأكمله، في ظل حرب دمّرت 90% من مدارس وجامعات القطاع بشكل كلي أو جزئي، وأخرجت أغلب المستشفيات عن الخدمة.
رئيس الأكاديمية في تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا الدكتور محمود لوباني يلخّص أهداف برنامج المبادرة في 3 محاور جوهرية:
ويكشف لوباني عن أن البرنامج استهدف كل الطلاب المسجلين في كليتي الطب بالجامعتين، من السنة الأولى إلى السادسة، وهو ما يعني التعامل مع نحو 2500 طالب وطالبة كانوا قبل الحرب يسيرون في مسار أكاديمي طبيعي، قبل أن تنقلب حياتهم رأسا على عقب مع أول قذيفة دمرت حرم الجامعتين.
وفي ظل واقع تعليمي محطم، حيث دُمرت المرافق الجامعية التي كانت توفر المواد التعليمية في الأسابيع الأولى من الحرب، وجد القائمون على المبادرة أنفسهم أمام تحدٍّ مزدوج:
وفي خضم هذا الجهد، كان ثمة خيط رفيع وحاسم يجب الحفاظ عليه: الاعتراف الأكاديمي الدولي بشهادات الطلاب، فأي خلل في استمرارية التعليم أو تغيير في المناهج كان كفيلا بإسقاط الاعتراف الدولي عن الجامعتين، وتحويل سنوات الدراسة إلى هباء.
ويشدد رئيس المجلس الاستشاري لتجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا الدكتور رياض مشارقة على أنهم لم يستحدثوا جامعة جديدة أو أي تغيير، "فقط حافظنا على استمرارية الجامعات بمناهجها كما هي". ويكشف مشارقة عن أن هيكلية إدارية متكاملة أُنشئت لضمان هذه الاستمرارية، وتضمّنت مجلس إدارة عليا بين كليات الطب في غزة والقائمين على المبادرة، وانبثقت عنه إدارة تنفيذية ولجان متخصصة للمناهج ومراقبة الجودة وعلاقات الطلاب وتحديث المنصة التعليمية التي أنشئت خصيصا لهذا الهدف.
ويلفت مشارقة -في تصريحات للجزيرة نت- إلى أن المبادرة أسندت مهمة التدريس إلى نحو ألف طبيب متطوع من حول العالم شاركوا في دعم العملية التعليمية عن بُعد، إلى جانب المناهج الموجودة على المنصة.
غير أن التحدي الأكبر لم يكن العملية التعليمية فقط؛ فطلبة السنوات السريرية من الرابعة إلى السادسة يحتاجون إلى تدريب عملي داخل المستشفيات، وهو ما بدا مستحيلا في قطاع تحولت مستشفياته إلى بيئات طوارئ مفتوحة تحت القصف.
ومع ذلك، يقول رئيس أكاديمية "بالميد" إن البرنامج -بالتعاون مع عميدي كليتي الطب في الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر- نجح في إعداد تدريب سريري داخل غزة خلال الحرب، وذلك عبر تقسيم الأسبوع بين طلاب الجامعتين، بواقع 3 أيام لطلبة كل جامعة، نظرا لضيق الأماكن المتاحة، ثم تخصص الأيام الثلاثة الأخرى للدراسة عبر المنصة الإلكترونية.
خلف كل رقم في هذه المبادرة قصة إنسانية لطالب رفض الاستسلام، ولمنظومة تعليمية أبت أن تتوقف، فحين فُتح باب التسجيل في مارس/آذار 2024، أي بعد أشهر قليلة من بداية الحرب، سارع 2109 طلاب للتسجيل رسميا في المبادرة، من أصل 2500 طالب طب كانوا مسجلين في الجامعتين.
وبحلول انطلاق البرنامج في الأول من يونيو/حزيران 2024، كان جميع المسجلين قادرين على الوصول إلى المنصة والاستفادة منها، قبل أن يصل البرنامج لاحقا إلى كامل طلاب الطب في القطاع.
وخلال سنة واحدة من بداية المشروع تخرج 613 طبيبا من الجامعتين، وسرعان ما انخرطوا مباشرة في العمل الطبي داخل مستشفيات وعيادات غزة، وبعد عام أو عامين سيتحول هؤلاء المتخرجون إلى معيدين في البرنامج نفسه ليدربوا الطلاب الجدد في دورة مستدامة من نقل المعرفة، حسب ما صرح به لوباني للجزيرة نت.
ويُلقي هذا الرقم الضوء على أحد أهم أهداف المبادرة التعليمية، والمتمثل في تثبيت صمود الطلاب في غزة ورفض فكرة إخراجهم للدراسة، وذلك انطلاقا من قناعة بأن هؤلاء الطلاب سيشكلون الجيل الجديد من الأطباء الذين يسدون الفجوة الهائلة التي خلفتها الحرب في الكوادر الطبية.
وهذا ما حث عليه مشارقة عندما وجّه نداء لبناء المرحلة المقبلة من عمر المبادرة، مشيرا إلى أن التجمع "ينتظر مبادرات من جهات دولية ومؤسسات تطوعية تساعد في توظيف هؤلاء الخريجين"، مؤكدا أن الاحتياج لخدماتهم في القطاع الصحي بغزة أصبح "ملحا جدا".
وكان تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا عقد مؤتمرا دوليا نهاية الشهر الماضي في العاصمة البريطانية لندن حول التعليم الطبي والرعاية الصحية في فلسطين، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والأطباء وخبراء السياسات من مختلف أنحاء العالم، وأشار المجتمعون إلى الحاجة الملحة لدعم التعليم الصحي والأخلاقيات الطبية في غزة، ودعوا إلى إجراءات دولية عاجلة لدعم النظام الصحي والتعليمي.
وفي مبادرة بهذا الحجم والتعقيد، يبقى التمويل التحدي الأكثر إلحاحا، ويبقى التدريب السريري الجزء الأكثر تكلفة في المشروع، إذ يستنزف ما بين 150 و200 ألف دولار شهريا لتغطية تكاليف التدريب السريري والقائمين عليه، حسب ما صرح به القائمون على المبادرة للجزيرة نت.
ويقول رئيس فرع بريطانيا في تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا الدكتور محمد الهمص إن الثقل الأكبر في إدارة هذا المشروع وتمويله وقع على عاتق التجمع والأكاديمية، خاصة بعد فشل محاولات استقطاب مؤسسات دولية أو حكومية لتبني المشروع وتمويله.
ويوضح أن التمويل اعتمد في بدايته على تبرعات مؤسسة "بالميد"، قبل أن تنضم جمعيات خيرية أخرى في بريطانيا وحول العالم للإسهام في استمراريته، "غير أن التبرعات وحدها لا تغطي كل تكاليف المشروع"، حسب قوله.