play البث الحي play البث الحي

حفظ

معركة الهري وقعت أواخر عام 1914 (الصحافة المغربية)يونس مسكينPublished On 5/6/20265/6/2026

عندما كانت جبهات الحرب تشتعل تدريجيا في أطراف العالم في بدايات المواجهة الكونية الأولى، وتزامنا مع تسارع وتيرة المد الاستعماري الذي سيزحف على جل أنحاء العالم العربي والإسلامي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بسقوط الخلافة العثمانية؛ كانت مجموعة صغيرة من المقاومين المغاربة في عمق جبال الأطلس تلقّن الجيش الفرنسي أقسى درس عسكري تلقاه في كل حملاته الاستعمارية. فقد تمكن المقاومون من قتل الجزء الأكبر من الجيش الجرار الذي بعثته فرنسا لإبادتهم، في معركة ستدخل التاريخ المغربي باسم "الهري".

و"الهري" اسم أمازيغي يعني "المَخزن"، ويطلق على قرية صغيرة تجاور مدينة خنيفرة الجبلية التي تعد حاضرة منطقة قبائل زيان الأمازيغية. وقد ارتبطت المعركة باسم قائدها موحى أوحمو الزياني، أحد أبرز رموز المقاومة المغربية، فيما كتبت فصولها قبائل رفضت الخضوع لسلطة المستعمر الذي جمع بين دكّ أطراف البلاد بنيران المدافع وانتزاع معاهدة من السلطان تمنحه حق السيطرة على المغرب.

وجاءت هذه المواجهة في سياق الحملة العسكرية الفرنسية لإخضاع المناطق المغربية لسيطرتها عقب إرغام السلطان على توقيع معاهدة الحماية عام 1912. وفي مقابل المجازر التي ارتكبها الجيش الفرنسي في مناطق واسعة من المغرب، كما حدث في أنحاء أخرى من شمال أفريقيا الخاضعة للاحتلال، اندلعت معركة الهري أواخر عام 1914 في منطقة جبلية وعرة بالأطلس المتوسط، حيث تكبد الجيش الفرنسي أكبر خسارة عسكرية له في المغرب. فقد قتل فيها نحو 700 جندي باعتراف فرنسي رسمي، بينهم أكثر من 30 ضابطا، وذلك في مواجهة قبائل محلية لم تملك سوى بنادق بدائية وفؤوس وأسلحة بيضاء.

تعتبر معركة الهري أكبر انتصار عسكري حققه المغاربة في مواجهة المد الاستعماري الفرنسي، رغم المقاومة الباسلة التي واجهوا بها أولى الهجمات التي استهدفت شرق المغرب انطلاقا من الجزائر المحتلة وقتها، والدار البيضاء انطلاقا من السواحل الأطلسية.

فالسهولة التي اجتاح بها الجيش الفرنسي السهول والمناطق المنبسطة من المغرب، شرقا وغربا، تحوّلت إلى مستنقع في المناطق الجبلية، سواء منها جبال الأطلس الفاصلة بين مدينتي فاس (عاصمة المغرب لحظة احتلاله) ومدينة مراكش (العاصمة التاريخية للمغرب)، أو تلك الواقعة بين مدينة فاس والحدود الشرقية للمغرب التي اجتاحها الفرنسيون انطلاقا من الجزائر المحتلة.

فقد شكلت منطقة جبال الأطلس هدفا لسياسة تطلق عليها فرنسا اسم "التهدئة"، وتعني الإخضاع وبسط السيطرة بالقوة العسكرية، وتمركزت في هذه الجبال أهم مجموعات المقاومة المسلحة الرافضة للاعتراف بمعاهدة الحماية التي فرضتها فرنسا على السلطان مولاي عبد الحفيظ.

كما باتت هذه المنطقة هدفا استراتيجيا لفرنسا، باعتبار بقائها خارج السيطرة يمنعها من بسط سيطرتها الكاملة على المغرب. كما تمثل هذه المنطقة الجبلية أهمية خاصة لما تتوفر عليه من ثروات طبيعية، سواء منها المعادن أو الغابات أو منابع الأنهار.

وتنقل المصادر التاريخية عن "هوبير ليوتي" أشهر مقيم عام (حاكم) فرنسي بالمغرب قوله إن منطقة الأطلس تسمح بظهور الثورات في مناطق أخرى، في السهول والأراضي المنبسطة، لكون الثوار يعتبرونها ملجأ وعمقا استراتيجيا بالنسبة إليهم.

بعد تمكّنه من إخضاع مدينة تازة الاستراتيجية الرابطة بين العاصمة المغربية وقتها (فاس) وبين مدينة وجدة الحدودية مع الجزائر، تحولت منطقة الأطلس إلى أولوية لدى الجيش الفرنسي.

فقد كانت مشاركة أبناء هذه المنطقة في المقاومة المسلحة مبكرة، وانطلقت منذ أولى هجمات الفرنسيين على الأراضي المغربية، إذ دفع القائد القبلي موحى أوحمو الزياني بقواته لتساند قبائل الشاوية في مقاومتها احتلال مدينة الدار البيضاء عام 1907.

وبعد محاصرة الجيش الفرنسي لمنطقة الأطلس، تلقى موحى أوحمو رسائل تودد مغرية، منها وعود بحصوله على هدايا نفيسة وإقراره قائدا لقبائل زيان في حال خضوعه لقوات الاحتلال. وحاولت السلطات الاستعمارية استمالة هذا القائد الأمازيغي مستعملة وسائل محلية من قبيل بعض كبار وزراء الدولة المخزنية وأعيانها، لكنه رفض الاستسلام أو الدخول تحت الحماية الفرنسية.

لقد واصل هذا المقاوم صموده، حتى واجه القبائل التي دخلت في حلف الاستعمار، وتحصّن خلف الجبال الوعرة مسلحا بقوة فرسانه وشجاعتهم، وسلك أسلوب حرب العصابات القائم على الهجمات الخاطفة والكر والفر.

قرر جيش الاحتلال الفرنسي صيف العام 1914 الهجوم على مدينة خنيفرة عاصمة منطقة زيان لإخضاعها، وانطلق في تلك العملية شهر يونيو/حزيران، مستعملا عشرة أفواج و7 كتائب و7 قطع مدفعية، أي نحو 15 ألف جندي و360 ضابطا، انطَلقت في آن واحد متجهة نحو خنيفرة.

وبعد مناوشات بين الجانبين، قرر الجيش الاستعماري استغلال فترة الشتاء القاسية، والهجوم على معسكر المقاومين بهدف القضاء عليهم، وانطلق الزحف ليلة 12 نوفمبر/تشرين الثاني 1914، حين استهدف الغزاة خيام النساء والأطفال بالقصف، وعمدوا إلى نهب البيوت واقتياد قطعان الماشية اعتقادا منهم أن المعركة محسومة سلفا.

كان القائد موحى أوحمو الزياني على رأس المقاومة التي صدت الهجوم على خنيفرة، وتمكن الأهالي من الصمود خمسة أيام أمام الجيش الفرنسي الجرار، لتنتهي الحرب في 12 يونيو/حزيران ببسط سيطرة الفرنسيين على المدينة، مقابل لجوء موحى أوحمو الزياني ومقاتليه إلى الجبل، حيث نهج أسلوب حرب العصابات، واستهدف قوافل الجيش الفرنسي التي كانت تغادر المنطقة بعد استدعائها للمشاركة في الحرب ضد ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وأرغم بالتالي المستعمر على الاكتفاء بالدفاع عن مواقعه في خنيفرة بدل مواصلة الزحف.

وفي بداية الخريف، ومع نزول موحى أوحمو ومرافقيه من الجبال التي بدأت تكسوها الثلوج، وإقامته مخيما في ملتقى نهري سرو وشبوكة بقرية الهري، اعتبر الفرنسيون الخطوة تحديا لهم، فقرروا أن يخرجوا للهجوم على المقاومة التي أرهقتهم، رغم أوامر الإقامة العامة بالاكتفاء بالدفاع.

يقول الجنرال الفرنسي "أوغستين غيوم" الذي سيصبح مقيما عاما (حاكما عاما) في المغرب، في أحد كتبه: يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني (1914)، كانت 5 شهور قد انقضت على استقرارنا في مدينة خنيفرة، اكتسب موحا أوحمو الزياني ثقة كبيرة بسبب عدم تحركنا والمفاوضات الأولى التي فتحت معه، فعسكر بمخيمه على بعد 15 كيلومترا من مدينة خنيفرة، على مشارف قرية تسمى الهري، وتحديدا في حوض يعبر نهر شبوكة، أحد روافد نهر سرو.

قرر "لافردور" القائد العسكري لمدينة خنيفرة إزالة معسكر موحى أوحمو الزياني، رغم الأوامر الصارمة التي كانت تمنع أي خروج من المدينة. ويبدو أن قائدا مخزنيا (تابعا للسلطان) هو من أوحى له بالقيام بهده الخطوة، إذ كان هذا القائم قد التحق بصفوفنا حديثا، ويسعى للانتقام شخصيا مما لحقه من مواجهاته مع موحى أوحمو الزياني.

وفي الساعة الثانية والنصف ليلا، تحركت القافلة العسكرية، لتعود ظهرا أولى قوافل المصابين الذين تمكن منهم المتمردون، وكان على بضع مئات من الجنود المرهقين أن يعودوا أدراجهم وحيدين إلى خنيفرة حاملين أنباء الكارثة التي حلت بهم.

الحصيلة النهائية للمعركة حسب هذا القائد العسكري الفرنسي: من أصل 43 ضابطا و1232 جنديا، خسر الرتل العسكري 33 ضابطا و590 جنديا، كلهم قتلوا، و176 جنديا إلى جانب 5 ضباط جرحوا. ومن أصل 43 ضابطا الذين شاركوا في العملية، 5 فقط عادوا سالمين، من بينهم 4 فرسان.

لم تحصل مثل هذه الخسارة الكارثية بقواتنا من قبل في شمال أفريقيا، لقد كان نصرا كبيرا للزيانيين.

يشكك بعض المختصين في التاريخ في الأرقام الرسمية الفرنسية عن القتلى الفرنسيين في هذه المعركة، وذلك لأن المحتل لم يكن يحتسب القتلى من صفوف المجندين المنحدرين من مستعمراته الأفريقية الأخرى، ضمن قائمة الخسائر البشرية، وهم يشكلون القسم الأكبر من تعداد قواته.

استبسل المقاومون المغاربة في القتال، بينما هبت قبائل مجاورة لمساندتهم في العمل القتالي ضد المحتل، وحين اكتشف قادة الجيش الفرنسي أنهم وقعوا في ورطة، حاولوا التقليل من خسائرهم عبر الانسحاب تكتيكيا في انتظار وصول التعزيزات، لكن قوات الزياني لاحقتهم، مما حول المعركة إلى نصر ماحق من جانب المقاومين.

وستتفاقم خسائر الفرنسيين أكثر حينما تصدى موحى وحمو الزياني في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1914، أي بعد 3 أيام على معركة الهري، رفقة 3 آلاف مقاوم، لزحف كتيبة فرنسية جاءت لنجدة وإغاثة ما تبقى من الجنود المقيمين بخنيفرة، وكبده المجاهدون خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.