play البث الحي play البث الحي

حفظ

يشاهد مستخدمو مواقع التواصل باستمرار محتوى عن علاقات الآخرين ببعضهم (شترستوك)رحاب عبد العظيمPublished On 6/6/20266/6/2026

صار الوجود الرقمي للشركاء جزءا لا يتجزأ من العلاقات العاطفية الحديثة، فيما بات يعرف بـ"الرومانسية الرقمية". ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد العلاقة مجرد تجربة شخصية يعيشها طرفان، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محتوى مرئي يُنشر ويُشارك ويُقيَّم.

وبينما تُقاس بعض الذكريات بجودة الصور والمنشورات، ظهرت أشكال جديدة من الغيرة والخيانة وانتهاك الخصوصية، في تحول جذري رصدته دراسات حديثة.

جلسات تصوير احترافية لمناسبات تتعلق بالارتباط، بعد ان دفعت منصات التواصل كثيرين إلى تخصيص ميزانية منفصلة لصناعة محتوى خاص بتلك المناسبات، بدءا من عرض الزواج وصولا إلى استقبال المولود الأول، على مواقع التواصل.

ويمتد دور منصات التواصل إلى مراحل تالية عقب الارتباط الفعلي، مع إمكانات لا نهائية للاتصال المستمر، في صورة رسائل مستمرة وصور لحظية ومشاركات يومية ومكالمات فيديو. لكن هذا الحضور الرقمي المكثف لم ينعكس بالضرورة على جودة التواصل بين الشريكين.

ويشير تقرير حول الأمر إلى أن زيادة الاتصال قابلها نقص في الحضور الحقيقي، هكذا يجلس الشخصان معا في الغرفة ذاتها، لكن كل منهما غارق في هاتفه.

يشاهد أغلب مستخدمي مواقع التواصل باستمرار محتوى عن علاقات الآخرين ببعضهم، كما يشاركون محتوى يتعلق بتفاصيل علاقاتهم بشركائهم، خاصة اللحظات المميزة، فمثلا يرى 48% من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاما أن وسائل التواصل الاجتماعي مهمة جدا أو إلى حد ما لهم في إظهار مدى اهتمامهم بشركائهم، نتيجة لافتة أبرزها تقرير صادر عن "مركز بيو للأبحاث" بعنوان: "الأنماط والتجارب والمواقف المتعلقة باستخدام التكنولوجيا الرقمية في العلاقات العاطفية".

وشمل التقرير مسحا على 4860 بالغا أمريكيا ونتج عنه أرقام تستحق الانتباه، إذ أشار 51% إلى أن شريكهم غالبا ما يكون مشتتا بهاتفه المحمول أثناء محاولتهم التحدث معه، واعترف 4 من كل 10 أنهم يشعرون أحيانا بالانزعاج من الوقت الذي يقضيه شريكهم على الهاتف.

ومع تزايد الوقت الذي يقضيه الشريك على هاتفه، يتحول الفضول لدى بعض الأزواج إلى سلوك مراقبة أو تفتيش بحثا عن إجابات.

مسألة تثير فضول الكثيرين حول السر وراء كل هذا التركيز والاهتمام، لتبدأ رحلة البحث عن "سبب" عبر التفتيش والتجسس، إذ أقر 34% من المشاركين أنهم يقومون بتصفح هواتف شركائهم دون علمهم، وقد شكلت النساء الأغلبية من تلك النسبة.

حالة من القلق تبررها تلك النسبة التي أبرزتها الدراسة إذ قام 8 من كل 10، أي 81% بمتابعة علاقات الآخرين الرومانسية المنشورة عبر مواقع التواصل مما أثر على شعورهم تجاه حياتهم العاطفية، خاصة أن مشاركة تفاصيل ومعلومات دقيقة حول الحياة العاطفية وتفاصيلها، دفعت 53% من المستخدمين محل الدراسة لاستخدام تلك المنصات في التحقق من شريك سابق أو شخص كانوا يواعدونه في مرحلة ما.

وهو الأمر الذي قادهم لاحقا إلى حالة من القلق، إذ قد تتكفل علامة إعجاب أو تعليق بتشكيل ما وصفته الدراسة بـ "مصدر إزعاج"، إذ أعرب 23% إلى 34% من الأزواج عن شعورهم بالغيرة أو عدم اليقين بسبب الطريقة التي يتفاعل بها شريكهم الحالي مع الآخرين على هذه المواقع.

ولا تتوقف آثار وسائل التواصل عند العلاقات الحالية، بل تخلق أيضا أشكالا جديدة من الغيرة المرتبطة بالنشاط الرقمي للشريك. وفي عام 2023 أجرى فريق بحثي كندي دراسة مطولة حول ما يعرف بـ"الغيرة الرقمية"، التي قد تتسبب في صراعات وسلوكيات تحكم وعدوانية داخل العلاقات.

أشار الباحثون إلى أنها ليست مجرد اهتمام زائد أو رفاهية، لكنها في الواقع بيئة خصبة للعنف والسيطرة داخل العلاقات، خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي -بحسب الدراسة- ليست مجرد منصة محايدة، فهي في الواقع تساعد على مراقبة الإعجابات، والمتابعين، والظهور مع أشخاص آخرين، وتوقيت النشاط، وكذلك التفاعلات، مما يخلق بيئة خصبة لمجموعة من السلوكيات العنيفة، خاصة لدى الشباب.

كما تصبح العلاقة بين العنف والغيرة طردية، يقود أحدهما إلى الآخر، ومن أبرز مظاهر العنف المترتبة:

لكن آثار المنصات لا تقتصر على العلاقات الحالية أو على فئة عمرية بعينها، بل تمتد إلى الماضي أيضا عبر ما يعرف بـ"الغيرة الرجعية"، وهي الغيرة التي يشعر بها الأفراد تجاه التاريخ العاطفي لشركائهم.

وخلصت الدراسة إلى أن وسائل التواصل تجعل الماضي حاضرا دائما، وغير قابل للمحو في أحيان كثيرة لصعوبة الإلمام به، وتظهر أطياف العلاقات القديمة عبر وسائل عديدة، أبرزها:

وفي ظل هذا الحضور المستمر للماضي، يجد بعض الشركاء أنفسهم في حالة مقارنة دائمة مع الشريك السابق من حيث الشكل أو النجاح أو نمط الحياة أو الذكريات المشتركة.

كشفت دراسة حديثة نُشرت في عام 2026 الجاري عن الوجه المظلم للتحول الذي شهدته الرومانسية لدى الجيل الحالي، فيما يتعلق بمفهوم الأمان بين الشركاء. وأشارت الدراسة إلى أن الثقة لم تعد ترتبط فقط بالسلوك الواقعي، بل أصبحت مرتبطة أيضا بما أسمته "الاحترام الرقمي"، أي كيفية التعامل مع المعلومات والصور والذكريات المشتركة عبر الفضاء الإلكتروني، وهو مفهوم قد يتعرض للاهتزاز عند الانفصال فتتلاشى الحدود بين الخاص والعام.

وتتحول الصور الحميمة المشتركة بين الشركاء في لحظات الصفاء إلى أداة ابتزاز وعنف رقمي لاحقا، الأمر الذي صار يفرض ضرورة الحذر والرقابة الذاتية المشددة داخل العلاقات العاطفية خوفا من التعرض لصدمات نفسية ممتدة، أو وصم اجتماعي يهدد القدرة على بناء علاقات جديدة في المستقبل.

ورغم هذه التحديات، لا يرى الباحثون أن التكنولوجيا عدو للعلاقات العاطفية بحد ذاتها، بل إن تأثيرها يعتمد إلى حد كبير على طريقة استخدامها والحدود التي يضعها الشركاء لأنفسهم. ومن أبرز الممارسات التي قد تساعد على بناء علاقة أكثر توازنا في العصر الرقمي:

ويرى عالم النفس جون غوتمان أن الأزواج الأكثر استقرارا ليسوا أولئك الذين يتجنبون التكنولوجيا، بل الذين ينجحون في توظيفها لتعزيز القرب والثقة بدلا من تحويلها إلى أداة للمراقبة والشك.

إعلان