xwhatsapp-strokecopylink70% من أسر غزة كانت تستفيد بشكل مباشر من خدمات الأونروا (الجزيرة)ياسر البناPublished On 7/5/20267/5/2026
غزة- لم تكن علاقة الزوجين عصام وميرفت الداعور، بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) متعلقة بالحصول على بعض المساعدات الطارئة خلال الحرب فقط، بل امتدت لسنوات طويلة اعتمدت خلالها العائلة على خدماتها الأساسية.
يقول عصام إن والديه وأجداده -الذين هجّرهم الاحتلال من قريتهم الأصلية "هربيا" إلى قطاع غزة في نكبة فلسطين عام 1948- كانوا من المستفيدين من برامج الوكالة منذ تأسيسها، مشيرا إلى أن المساعدات الغذائية كانت تصل شهريا بانتظام، إلى جانب توفير التعليم للأبناء والرعاية الصحية داخل عياداتها.
وخلال الحرب -وهي أسوأ أزمة إنسانية يتعرض لها قطاع غزة- زادت الاحتياجات الغذائية والصحية للأسرة، لكنها فوجئت في المقابل بتراجع ملحوظ في الخدمات المقدمة من الأونروا، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية ضدها.
وبحسب عصام -المقيم مع أسرته في مركز إيواء غربي مدينة غزة بعد هدم منزله في محافظة شمال القطاع- فإن هذا التراجع لم يقابله بديل فعال، إذ لم تتمكن الجهات الإغاثية الأخرى من سد الفجوة أو توفير دعم منتظم يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
ومنذ منع الاحتلال الإسرائيلي وكالة "الأونروا" من إدخال المساعدات لغزة، في مارس/آذار 2025، نشطت مؤسسات دولية أخرى، مثل برنامج الأغذية العالمي، والمطبخ المركزي العالمي (WCK)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، وأطباء بلا حدود، وغيرها من المنظمات، لكنها -بحسب السكان- لم تتمكن من ملء الفراغ الكبير الذي تركه غياب وكالة الغوث.
في الوضع الحالي، تواجه أسرة الداعور تحديات متراكمة في ظل محدودية الموارد وعدم انتظام المساعدات، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والعلاج، عبئا يوميا مستمرا.
وانعكس ضعف خدمات الأونروا بشكل مباشر على الزوجة ميرفت الداعور، التي تعاني من مرضي السكري وارتفاع ضغط الدم منذ عام 2017.
قبل الحرب، كانت ميرفت تتابع حالتها بشكل دوري داخل عيادات الوكالة، فتحصل على الفحوصات المخبرية والأدوية اللازمة دون انقطاع، ما ساعدها على الحفاظ على استقرار حالتها الصحية. لكن مع تراجع خدمات الوكالة، خلال الحرب، فقدت العلاج المنتظم، واضطرت إلى البحث عن بدائل محدودة.
وتوضح أن غياب المتابعة الطبية المنتظمة زاد من صعوبة السيطرة على مرضها، خاصة في ظل عدم توفر الفحوصات الدورية والأدوية بشكل ثابت.
وقبل الحرب أيضا، كان أبناء مثقال وادي، اللاجئ من مخيم جباليا، يتوجهون صباحا إلى مدارس وكالة الغوث (الأونروا) في المرحلة الأساسية، ضمن نظام تعليمي وجاهي منتظم، داخل بيئة دراسية منظمة ونظيفة، يتلقون فيها كتبهم ودفاترهم وأقلامهم بشكل مجاني.
كان هذا المشهد جزءا ثابتا من حياة الأسرة. أما اليوم، فقد تغير هذا الواقع بشكل كامل؛ مدارس الأونروا مغلقة منذ اندلاع الحرب، ولم تُستأنف العملية التعليمية في المنطقة التي يقيم فيها وادي حاليا، حسب قوله، ليبقى الأطفال خارج مقاعد الدراسة، ويقضون وقتهم في الشوارع دون أي مسار تعليمي واضح.
وكانت الوكالة الدولية تدير مئات المدارس وتقدم خدمات التعليم لنحو 300 ألف طالب وطالبة، لكنها حاليا لم تتمكن سوى من فتح نقاط تعليمية تعمل بشكل جزئي بمعدل 3 أيام أسبوعيا وتضم قرابة 70 ألف طالب.
ولا تقتصر معاناة أسرة وادي على غياب التعليم للأبناء، بل تعدته إلى فقدان الأمن الغذائي، فقبل بداية الحرب، كانت المساعدات الغذائية، التي تشمل الطحين والسكر والزيت وبعض المعلبات، تصل لعائلته من الوكالة بشكل منتظم، أما الآن، فقد توقفت بشكل كامل، في حين تقتصر المعونات المقدمة من جهات أخرى على فترات متباعدة وبكميات محدودة لا تلبي الاحتياجات الأساسية للأسرة.
ومن خلال تجربته في الحرب، يرى الفلسطيني أحمد سالم أن الجهات الإغاثية التي دخلت على خط الاستجابة لم تتمكن من تعويض الدور الذي كانت تؤديه الأونروا، موضحا أن الوكالة، قبل توقف خدماتها، كانت تعمل ضمن نظام واسع ومنظم، يعتمد على قاعدة بيانات دقيقة للأسر، ويستند إلى خبرة طويلة في إدارة وتوزيع المساعدات بشكل منتظم وعادل.
ويشير إلى أن الوكالة كانت تضم آلاف الموظفين، وتدير شبكة ممتدة من المدارس والعيادات ومراكز التوزيع، ما مكنها من الوصول إلى العائلات وتلبية احتياجاتها.
في المقابل، يصف ما تقدمه المؤسسات الأخرى، بأنه تدخل محدود، ويعتمد على استجابات جزئية لا تغطي مختلف الجوانب المعيشية.
وخلافا للاعتقاد السائد بأن خدمات الوكالة الأممية تقتصر على لاجئي نكبة فلسطين عام 1948 فقط، تكشف تجربة الحرب المستمرة أن دورها كان يمتد عمليا إلى شريحة أوسع من السكان، خاصة في مراحل النزوح والأزمات الحادة، حيث استفاد منها غير اللاجئين أيضا، ولو بشكل طارئ، ما جعل غيابها يترك فراغا إغاثيا واضحا في الميدان.
منير عسلية ليس من اللاجئين المسجلين لدى الوكالة، يوضح أن الفوارق التقليدية بين "لاجئ ومواطن" تراجعت بشكل كبير مع بداية الحرب، حين فُتحت أبواب مراكز الأونروا أمام الجميع في ظل موجات النزوح الواسعة.
ويشير إلى أنه خلال الأشهر الأولى، تلقّت أسرته طرودا غذائية وأكياس طحين ضمن استجابة وُصفت آنذاك بأنها منظمة وواسعة النطاق، رغم أنه لم يكن يعتمد على خدمات الوكالة بشكل دائم قبل الحرب. لكن هذا التدخل لم يستمر، إذ توقفت المساعدات عن الوصول إلى أسرته، لتجد نفسها أمام أزمة غذائية مباشرة دون مصدر دعم منتظم.
ومن وجهة نظره، فإن الفارق الأساسي بين الأونروا والمؤسسات البديلة لا يتعلق فقط بحجم المساعدات، بل بقدرة النظام نفسه على الاستمرار والتوزيع العادل.
ويوضح أن ما تقدمه مؤسسات دولية أخرى، يأتي غالبا على شكل مساعدات متقطعة، سواء كانت مبالغ مالية تُصرف مرة واحدة أو على فترات متباعدة، أو مساعدات غذائية لا تصل بشكل منتظم، وهو ما يجعلها غير قادرة على خلق حالة استقرار معيشية.
ولم يتسن الحصول على تعقيب جديد من مسؤولي الأونروا حول تأثير القيود الإسرائيلية ونقص التمويل، على أنشطتها في قطاع غزة. لكن المستشار الإعلامي للوكالة، عدنان أبو حسنة، صرح للجزيرة نت سابقا أن الاستهداف الإسرائيلي نجح في التأثير على المساعدات الغذائية التي تقدمها الأونروا في غزة، لكنها مستمرة في تقديم خدمات متعلقة بالصحة والتعليم، مؤكدا أن إسرائيل تسعى إلى تصفية الوكالة وليس فقط الحد من أنشطتها.
وقال إن توقف الوكالة عن تقديم الخدمات الإغاثية، تسبب في "فوضى" في عملية توزيع المساعدات، مضيفا "لو كانت المنظمة (الأونروا) هي التي تقود عملية التوزيع لما كانت هذه الفوضى والعشوائية التي بسببها لا يستفيد مجمل السكان".
وتابع: "رغم ضآلة ما يدخل من مساعدات، فإن الأونروا هي الوحيدة التي لديها نظام ومعلومات وبيانات وقدرة على الوصول إلى كل المجتمعات السكانية في قطاع غزة".