xwhatsapp-strokecopylinkتل أبيب التي تُتهم منذ عقود بالتجسس على واشنطن ما زالت تحظى بمستويات غير مسبوقة من الدعم والتعاون الأمني الأمريكي (شترستوك)حبيب أبو محفوظPublished On 6/6/20266/6/2026|آخر تحديث: 22:17 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:17 (توقيت مكة)
على الرغم من عمق التحالف الأمني والسياسي والعسكري، والعلاقات الإستراتيجية الوثيقة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل، فإن تاريخ العلاقة بين الحليفين لم يكن بمنأى عن التوترات الاستخبارية، فقد ظل ملف التجسس الإسرائيلي على واشنطن أحد أكثر القضايا إثارة للحساسية والجدل بين الحليفين.
وتكررت على مدى عقود الاتهامات الأمريكية لتل أبيب بتجاوز حدود التعاون الأمني والسعي إلى جمع معلومات سرية من داخل مؤسسات الإدارة الأمريكية.
وكلما برزت اتهامات جديدة تتعلق بأنشطة استخبارية إسرائيلية داخل الولايات المتحدة، عادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول حدود الثقة بين الحليفين، وما إذا كانت المصالح الأمنية الإسرائيلية تدفع تل أبيب إلى تجاوز الخطوط الحمراء حتى مع أقرب شركائها.
وهذا الأمر يثير سؤالا يتجاوز حدود العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، فإذا كانت إسرائيل متهمة بالتجسس على حليفها الأكبر والداعم الأبرز لها عالميا، فكيف سيكون تعاملها الاستخباري مع الدول الأخرى التي لا تحظى بالمكانة نفسها في حساباتها الإستراتيجية؟
وقد تجدد هذا الجدل أخيرا بعد تقارير أمريكية تحدثت عن رفع وزارة الحرب الأمريكية مستوى التحذير من أنشطة التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة إلى الدرجة القصوى، وسط مخاوف من محاولات لجمع معلومات تتعلق بمداولات الإدارة الأمريكية الأخيرة بشأن الحرب مع إيران وتطورات الشرق الأوسط.
وتأتي هذه المخاوف في وقت ترى فيه تقارير أن العلاقات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشهد خلافات بشأن مستقبل المواجهة مع إيران والعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
كما أن هذه الاتهامات ليست جديدة، بل تمثل حلقة جديدة في تاريخ طويل من الشكوك والصدامات الاستخبارية بين واشنطن وتل أبيب.
وأفادت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلا عن مسؤولين وتقارير استخباراتية أمريكية، بتصاعد غير مسبوق في المخاوف داخل واشنطن من النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي، وسط اتهامات لتل أبيب بتكثيف عمليات التنصت على مسؤولين أمريكيين كبار معنيين بملفات الأمن القومي والمفاوضات مع إيران.
وبحسب الصحيفة، رصدت أجهزة الاستخبارات الأمريكية محاولات إسرائيلية متزايدة لجمع معلومات حول إستراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومواقفه المتغيرة تجاه المحادثات الجارية مع طهران، بما في ذلك استهداف شخصيات بارزة في الإدارة الأمريكية، من بينها المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ومسؤول السياسات في وزارة الدفاع إلبريدج كولبي.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن مستوى القلق من النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي أصبح أعلى من أي دولة حليفة أخرى، بل إنه يفوق في بعض الجوانب والمخاوف المرتبطة بدول تُصنف كدول معادية للولايات المتحدة.
وفي تطور لافت، أفاد تقرير لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية بأن أفرادا من البنتاغون يعملون داخل إسرائيل اكتشفوا برمجيات تجسس زُرعت سرا في هواتفهم المحمولة بهدف مراقبة اتصالاتهم.
كما نقلت نيويورك تايمز عن مسؤول أمريكي رفيع وصفه أساليب جمع المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية بأنها "منفلتة وغير منضبطة بشكل غير مسبوق".
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين قولهم إن اعتماد بعض مسؤولي إدارة الرئيس ترمب على طائراتهم الخاصة واستخدام هواتفهم الشخصية في إدارة ملفات تتعلق بالأمن القومي، جعلهم أكثر عرضة لعمليات المراقبة والتنصت من قبل أجهزة استخبارات الإسرائيلية.
وتثير هذه المعطيات مخاوف متزايدة داخل الإدارة الأمريكية من أن تؤدي أنشطة التجسس الإسرائيلية إلى إعادة النظر في آليات تبادل المعلومات الأمنية بين البلدين، بما في ذلك فرض قيود إضافية على حجم ونوعية المعلومات التي يشاركها البنتاغون مع الضباط الإسرائيليين مستقبلا.
ويرى مسؤولون وخبراء استخبارات أمريكيون أن النشاط الاستخباري الإسرائيلي ضد الولايات المتحدة يعود إلى ما قبل "قيام دولة إسرائيل" نفسها عام 1948، عندما عملت شبكات صهيونية على جمع الأموال والمعلومات والموارد من داخل الأراضي الأمريكية دعما للمشروع الصهيوني.
وخلال العقود اللاحقة، تطورت هذه الأنشطة مع اتساع العلاقات العسكرية والتكنولوجية بين البلدين، غير أن المنعطف الأبرز جاء في ثمانينيات القرن الماضي مع قضية جوناثان بولارد، محلل الاستخبارات في البحرية الأمريكية الذي اعتُقل عام 1985 بعد تسريبه آلاف الوثائق السرية لإسرائيل.
وأصبحت القضية من أكبر فضائح التجسس في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بعدما كشف التحقيق أن بولارد نقل كمّا هائلا من المعلومات المصنفة شديدة السرية، مما دفع القضاء الأمريكي إلى الحكم عليه بالسجن المؤبد عام 1987.
ومع ذلك فقد أُفرج عن جوناثان بولارد عام 2015 بعد قضائه 30 عاما في السجن، قبل أن تنتهي قيود الإفراج المشروط المفروضة عليه عام 2020، لينتقل بعدها إلى إسرائيل حيث يقيم منذ ذلك الحين.
ورغم اعتذار إسرائيل لاحقا واعترافها بأن بولارد كان يعمل لصالحها، فإن القضية شكلت نقطة تحول في نظرة أجهزة الأمن الأمريكية إلى النشاط الاستخباري الإسرائيلي، ودفعتها إلى تشديد إجراءات المراقبة والمتابعة لأي محاولات تجسس محتملة داخل الولايات المتحدة.
وفي أعقاب أزمة بولارد، أعلنت إسرائيل أنها أوقفت عمليات التجسس داخل الولايات المتحدة، وتعهدت بعدم تكرار ما حدث، لكن مسؤولين أمريكيين سابقين وحاليين أكدوا مرارا أن الشكوك لم تتبدد.
ففي تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، تحدث مسؤولون في مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) ووكالات مكافحة التجسس عن حوادث متكررة دفعتهم إلى استدعاء دبلوماسيين ومسؤولين إسرائيليين وتحذيرهم من أنشطة اعتُبرت تجاوزا للقواعد المتعارف عليها بين الحلفاء.
ومن بين أكثر الحوادث إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، ما كشفته تقارير أمريكية عام 2019 عن رصد أجهزة تنصت متطورة قرب البيت الأبيض ومقار حكومية حساسة في واشنطن.
وبحسب مسؤولين أمريكيين تحدثوا لوسائل إعلام محلية، فإن الشبهات اتجهت نحو إسرائيل باعتبارها الجهة الأكثر ترجيحا للوقوف وراء تلك الأجهزة المصممة لاعتراض الاتصالات الخلوية.
ورغم غياب اتهام رسمي مباشر، فإن الحادثة عمّقت الشكوك داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية، وأعادت التذكير بأن ملف التجسس الإسرائيلي لا يزال حاضرا رغم عقود من التعاون الإستراتيجي بين البلدين.