xwhatsapp-strokecopylinkالملصق الترويجي لفيلم "7 دوجز" (الجزيرة)علياء طلعتPublished On 6/6/20266/6/2026
منذ الإعلان عنه، جرى تقديم فيلم "7 دوجز" بوصفه مشروعا استثنائيا في تاريخ السينما العربية؛ إنتاج ضخم ونجوم من أكثر الأسماء جماهيرية في المنطقة، إضافة إلى نجوم عالميين، ومخرجان يمتلكان خبرة في صناعة أفلام الأكشن العالمية، إلى جانب حملة دعائية ركزت على حجم المشروع وأرقامه القياسية.
لذلك دخل الفيلم دور العرض باعتباره اختبارا لطموح صناعة تسعى إلى إنتاج ما يطلق عليه "بلوكباستر" (Blockbuster) عربي بمواصفات عالمية، لكن النتيجة تثير أسئلة تتجاوز حجم الإنتاج والضجة الإعلامية المصاحبة له، وتتعلق بما إذا كانت الإمكانات الضخمة وحدها كافية لصناعة فيلم استثنائي.
الفيلم من بطولة أحمد عز وكريم عبد العزيز، ويشاركهما البطولة تارا عماد وهنا الزاهد وناصر القصبي وسيد رجب وهالة صدقي، إلى جانب عدد من النجوم العرب والعالميين، بينهم مونيكا بيلوتشي وسلمان خان. العمل من تأليف محمد الدباح وإخراج الثنائي عادل العربي وبلال فلاح.
منذ الدقائق الأولى يبدو واضحا أن "7 دوجز" لا يخفي مصادر إلهامه. فالفيلم يتحرك داخل القالب المعروف لأفلام الأكشن والجاسوسية الأمريكية، وهو المجال الذي راكم فيه مخرجاه خبرة واضحة من خلال أعمال سابقة مثل "باد بويز" و"مس مارفل".
وتدور الأحداث حول ضابط الإنتربول خالد العزازي (أحمد عز) الذي يجد نفسه مضطرا إلى التعاون مع المجرم الدولي غالي أبو داود (كريم عبد العزيز) لمواجهة شبكة إجرامية عابرة للحدود تهدد المنطقة العربية. وهي حبكة مألوفة في سينما الأكشن؛ الشرطي الملتزم بالقانون الذي يضطر للعمل إلى جانب شخصية خارجة عنه للوصول إلى عدو أكبر.
ولا يمثل ذلك عيبا في حد ذاته، فمعظم الأفلام التجارية تنطلق من أفكار سبق استخدامها عشرات المرات، لكن تميزها يكمن في الطريقة التي تعيد بها تقديم هذه الأفكار. وهنا تظهر إحدى أبرز مشكلات الفيلم؛ إذ ينجح في استيراد القالب الأمريكي بكل تفاصيله تقريبا، لكنه لا يضيف إليه ما يكفي من الخصوصية.
فالمدن العربية التي تدور فيها الأحداث تبدو في كثير من الأحيان مجرد خلفيات بصرية لمطاردات ومعارك يمكن أن تقع في أي مكان آخر. كما أن الشخصيات، رغم أسمائها العربية، تتحرك وفق أنماط مألوفة في سينما الأكشن الأمريكية أكثر مما تنطلق من بيئة أو سياق محلي يمنحها فرادة خاصة. لذلك يبدو الفيلم أقرب إلى نسخة معربة من نموذج هوليوودي ناجح، لا إلى محاولة لإعادة ابتكار هذا النموذج من منظور عربي.
وعلى المستوى البصري يصعب إنكار حجم الجهد المبذول. فالمطاردات مصممة بعناية، ومشاهد الأكشن تنفذ على نطاق غير معتاد في السينما العربية، كما تستفيد الصورة من ميزانية ضخمة تنعكس بوضوح على مواقع التصوير والمؤثرات البصرية.
غير أن هذا الإبهار البصري لا يقابله مستوى مماثل من الابتكار في بقية عناصر العمل، إذ يبدو الفيلم منشغلا بإثارة إعجاب المتفرج بحجم الانفجارات وعدد المعارك أكثر من اهتمامه ببناء عالم درامي يحمل بصمته الخاصة.
يقدم "7 دوجز" نفسه باعتباره فيلم أكشن وجاسوسية يدور في عالم منظمات إجرامية عابرة للحدود وتهديدات دولية معقدة، وهي عناصر تتطلب عادة قدرا من التعقيد الدرامي وبناء عوالم مقنعة.
لكن مع تطور الأحداث يظهر تناقض واضح بين الجدية التي يسعى الفيلم إلى إقناع المتفرج بها والطريقة المبسطة التي يتعامل بها مع كثير من تفاصيل عالمه وشخصياته.
ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى اعتماد السيناريو على الشرح المباشر. فبدلا من ترك الأحداث تكشف المعلومات تدريجيا، تلجأ الشخصيات مرارا إلى حوارات تفسيرية صريحة تبدو أحيانا مُوجَّهة إلى المتفرج أكثر من كونها جزءا طبيعيا من الحوار.
كما يمتد هذا التبسيط إلى بناء الشخصيات نفسها، إذ يظهر الأبطال بوصفهم شخصيات شبه خارقة تمتلك دائما الحل المناسب والقدرة على النجاة من أصعب المواقف، بينما يُقدَّم الشر في صورة مباشرة وواضحة لا تترك مساحة كبيرة للغموض أو التعقيد.
ويضاف إلى ذلك المزج بين مشاهد "اللايف أكشن" والرسوم المتحركة في بعض اللحظات. ورغم أن هذا الخيار يبدو محاولة لإضفاء هوية بصرية مختلفة على الفيلم، فإنه يخلق أحيانا تناقضا مع النبرة العامة للأحداث. ففي الوقت الذي تسعى فيه القصة إلى بناء إحساس بالخطر والتهديد، تمنح هذه اللمسات الكرتونية بعض المشاهد طابعا أقرب إلى أفلام المغامرات الخفيفة، وهو ما يضعف تأثيرها الدرامي.
ونتيجة لذلك يقف الفيلم في منطقة وسطى بين فيلم الأكشن الجاد وفيلم المغامرات المبسط؛ يمتلك إمكانات إنتاجية تسمح له ببناء عالم أكثر تعقيدا، لكنه يختار في كثير من الأحيان الطريق الأسهل.
رغم أن "7 دوجز" يقدم نفسه كفيلم أكشن معاصر يعتمد على أحدث تقنيات التصوير والمؤثرات البصرية، فإنه يستعيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة نموذج البطل الخارق الذي عرفه جمهور التسعينيات في روايات الجاسوسية العربية.
فشخصية خالد تبدو امتدادا واضحا لإرث أدهم صبري بطل سلسلة "رجل المستحيل" للراحل نبيل فاروق؛ البطل الذي يمتلك دائما الحل المناسب، ويخرج من المواقف المستحيلة بأقل الخسائر، ويواصل التقدم مهما تعاظمت الأخطار.
ولا شك أن هذه الشخصية ما تزال تمتلك جاذبية جماهيرية كبيرة، خصوصا لدى جيل نشأ على هذا النوع من البطولة المطلقة. لكن الفارق أن أدهم صبري كان ابن مرحلة كانت تحتفي بفكرة البطل الفرد القادر على تغيير العالم وحده، بينما تبدو هذه الصيغة أقل إقناعا في سينما معاصرة تميل أكثر إلى الشخصيات الهشة والمتناقضة التي تخطئ بقدر ما تنجح.
وفي مقابل هذه البطولة الذكورية الطاغية يقدم الفيلم واحدة من مفاجآته الإيجابية القليلة نسبيا، إذ لا تظهر الشخصيات النسائية باعتبارها مجرد عناصر تجميلية أو امتدادا للخطوط العاطفية التقليدية.
فشخصيتا كلير (تارا عماد) وجيسيكا (ساندي بيلا) تمتلكان دورا فعليا داخل الأحداث، وتشاركان في مشاهد أكشن جيدة التنفيذ، بينما تظهر جوليا (مونيكا بيلوتشي) باعتبارها إحدى أهم مصادر التهديد في الفيلم.
صحيح أن الفيلم لا يمنح هذه الشخصيات عمقا كافيا، لكنه يقدم توزيعا أكثر توازنا للأدوار مقارنة بكثير من أفلام الأكشن العربية التي اعتادت حصر النساء في أدوار نمطية محدودة.
كما يحسب للفيلم تقليله الاعتماد على ما يعرف بـ"الكوميك ريليف" أو التخفيف الكوميدي. ففي وقت أصبحت فيه أفلام الأكشن العربية تقاطع التوتر الدرامي باستمرار بالنكات والتعليقات الساخرة، يختار "7 دوجز" الحفاظ على نبرة أكثر جدية، ويمنح المطاردات والصراعات مساحة للتطور دون مقاطعة مستمرة، وهو ما ينعكس إيجابا على تماسك الإيقاع العام.
ينجح "7 دوجز" في إثبات أن السينما العربية باتت قادرة على إنتاج أفلام أكشن ضخمة بمستوى تقني لم يكن متاحا قبل سنوات قليلة. فحجم الإنتاج، وجودة الصورة، واتساع نطاق المشاهد الحركية، كلها مؤشرات على تطور حقيقي في الصناعة.
لكن الفيلم يكشف في الوقت نفسه أن بلوغ مستوى "البلوكباستر" لا يتحقق بالميزانيات الضخمة وحدها. فبينما يمتلك "7 دوجز" الإمكانات والنجوم والخبرة التقنية، يبقى بحاجة إلى قدر أكبر من الخصوصية والجرأة على مستوى الكتابة وبناء الشخصيات والعالم الدرامي.